للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الأحد، 1 يونيو 2014

العالم ينفجر، وهذه الأسباب (الحلقة الأولى)



- I -
فلنتوقف معاً أمام الظواهر العالمية التالية التي انفجرت كلها دفعة واحدة مؤخرا:
- الصعود الصاروخي لليمين المتطرف في أوروبا (كما أظهرت انتخابات البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي) وما سيفرزه ذلك من مضاعفات محتملة على مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، لأن هذا النوع من اليمين يرفض العولمة الأوروبية ويريد العودة إلى كنف الدولة القومية (في صيغتها الفاشية أو المتطرفة).
- تفاقم الصراعات القومية في شرق وجنوب آسيا. في الشرق في إطار الصدامات المتصاعدة بين الصين واليابان، حيث يسعى كل نظام فيهما إلى تعزيز وضعه الداخلي عبر استنفار المشاعر القومية المشبوبة والعنيفة ضد "الآخر" المجاور. وفي الجنوب، حيث يعني وصول التيار الهندوسي إلى السلطة حاملاً معه مشروع زواج الفلسفة الهندوكية مع الرأسمالية النيوليبرالية المنفلتة من عقالها، أن القومية الهندية المتطرفة هي من سيدير بلاد الفيلة من الآن وحتى مستقبل غير منظور. وهذا بالطبع ستكون له تأثيرات كبرى على كلٍ من توزنات القوى الآسيوية وعلى النظام العالمي.
- انفجار آخر للصراعات القومية في شرق آوروبا، بين قومية روسية منبعثة وبين قوميات أوكرانية وبلطيكية وشرق أوروبية ووسط آسيوية، كرد فعل من هؤلاء، بدعم واضح من الولايات المتحدة، على جهود موسكو لإحياء امبراطوريتها السوفيتيية.
- وأخيرا، دخول الصراعات القومية والمذهبية بين الامم الفارسية والتركية والعربية في مرحلة تاريخية جديدة- قديمة، هي في الواقع تكرار أو رجع صدى لتلك التي كانت متفاقمة إبان العهد العباسي في القرن العاشر الميلادي، والتي حسمها الأتراك لاحقاً لمصلحتهم طيلة نيف وأربعة قرون.
- II -

ماذا تعني كل هذه التطورات؟
في مقالات لاحقة، سنتطرق إلى كل من هذه المعطيات الخطيرة على حدة. لكن الآن دعونا نمضي معاً في رحلتنا لنتعرف بعض أسباب هذه التفجرات التاريخية الفاقعة، إضافة إلى محاولة استطلاع أفاقها ومآلاتها.
أول ما يتبادر هنا إلى الذهن حول الأسباب هو بالطبع موقع الولايات المتحدة منها، بصفتها زعيمة النظام العالمي والدولة العظمى الوحيدة عالمياً راهنا. إذ لو كان الأمر مستتباً للامبراطورية الأميركية، لما انفجرت "الأطراف" على هذا النحو المتسارع، الذي يذكّر إلى حد كبير بتمردات وتشنجات مقاطعات الامبراطورية الرومانية في مراحلها الأخيرة.
نقطة البداية في أزمة الزعامة العالمية الأميركية الراهنة بدأت في عهد الرئيس جورج بوش الأبن، الذي فشل هو وفريقه في إقامة نظام عالمي جديد، استناداً إلى القطبية الأحادية التي أفرزها سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة لمصلحة أميركا. مشروع بوش كان يستند إلى تغيير أنظمة العراق وإيران وباقي دول الشرق الأوسط، ثم الانطلاق من هذه الهيمنة الكاملة على نفط الشرق الأوسط  وأنظمته وموقعه الجغرافي الاستراتيجي نحو إحكام القبضة على قارة أوراسيا التي قال المفكر الجفرافي ماكيندر قبل مئة عام أن من يحكم هذه
" الجزيرة العالمية" يسيطر على العالم. كما أن هذا المشروع تضمن أيضاً ضم النفط والغاز الروسي الضخم إلى هذه الترسانة، من خلال شراكات مع الشركات العملاقة الغربية.
بوش اعتقد أن حروبه الشرق أوسطية، من أفغانستان إلى العراق ولاحقاً سورية وإيران، كان يجب أن  تشبه إلى حد بعيد حروب أميركا ضد الهنود الحمر في الغرب الاميركي الذي كانت تسوده قبائل "بدائية"، مسقطاً بذلك كل معطيات حروب الهند الصينية، وبعدها حروب التحرير في العالم الثالث، وحقيقة بروز ظاهرة  اليقظة السياسية لدى شعوب العالم.
وهكذا، وحين تعثّر مشروع بوش في أفغانستان والعراق، تعثّر أيضاً مشروعه حول النظام العالمي الجديد. وهذا ما أوقع أميركا في مأزق حقيقي إزاء دورها العالمي: فلا هي قادرة على فرض نظامها الأحادي الجديد بالقوة، ولا في وسعها إقامة نظام تعددي بديل، لأنها لاتعتقد أن أياً من الدول الكبرى الأخرى "تستأهل" مثل هذا النظام بحكم الفجوة الكبرى الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية بينها وبين أميركا.
إدارة باراك أوباما، وعلى عكس كل التوقعات، لم تخرج أميركا من هذا المأزق على رغم كل خطب هذا الأخير البليغة حول التعددية والتضامن والتعاون الدوليين. كل مافعله أوباما في الواقع هو تأبيد هذه المأزق من خلال سحب أميركا من دائرة الحروب لكن من دون العمل على بناء هيكلية سلام دولي جديد. صحيح أن إدارة أوباما اعترفت ضمناً بالتوزع الجديد للسلطة العالمية، من خلال تأسيس مجموعة العشرين (التي تضم دول البريكس: البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب إفريقيا) العام 2008، إلا أنها لم تعط هذه المجموعة، التي يفترض أنها حلّت مكان مجموعة السبعة الكبار الغربية، أي صلاحيات او مسؤوليات على مستوى القرار الدولي السياسي وحتى الاقتصادي (عدا مساعدة العجوزات الأميركية).
وهذا ما ترك أميركا، ومعها العالم، معلقين بخيط رفيع في الهواء، ماجعل "مقاطعات"
الامبراطورية الأميركية تشتم رائحة الدم وتبدأ البحث عن فرائسها الخاصة في محيطها الإقليمي المباشر.
وهذا ماسنتطرق إليه في مقال الغد.

سعد محيو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق