للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 22 أبريل، 2014

انتخابات الأسد ليست "لامهزلة ولا مثيرة للسخرية"




- I -
ثمة تاريخ لم يُكتب بعد في المنطقة العربية. تاريخ يرتبط بالعلاقة الوثيقة، والغريبة، بين علم النفس وبين السياسة.
عما نتحدث هنا؟.
عن الأوضاع النفسية لبعض أصحاب القرار، والتي تلعب دوراً حاسماً في رسم السياسات في دولهم، خاصة إذا ماكانت هذه الأخيرة سلطوية، أو أوتوقرطية (حكم الفرد المستبد)، أو ديكتاتورية.
السمتان الأساسيتان لهذه الحالات النفسية هما: السايكوباث (Psychopath)  وجنون العظمة
 (Megalomania).
السايكوباث، تعريفاً، هو الشخص المُضطّرب عقليا، ذو الشخصية غير الاجتماعية التي تتسم بالعنف والسلوك الإجرامي، والذي يبدو وكأنه يحظى بشخصية طبيعية في المجتمع. يتمتع السايكوباث باخضاع الآخرين بالقوة والعنف أو بممارسة القتل، ولايشعر بأي شعور بالذنب، أو العيب، أو تأنيب الضمير لما يفعله للآخرين. لا بل هو يُبرر جرائمه بانحاء اللائمة على ضحاياه، سواء أكانوا أفراداً أو حتى جماعات وشعوباً، ولايتوانى عن ممارسة الكذب باستمرار.
ويوضح الباحث في علم النفس روبرت هير أن السايكوباث له صورة مشوّهة عن الواقع، ولايحسب مضاعفات أعماله لا على الآخرين ولا على نفسه. أي أنه غير قادر على إدراك مخاطر أعماله. ولذلك، هو أقرب ما يكون إلى "الوحوش المُتعضة"، أي التي تعيش على افتراس غيرها.
المصاب بجنون العظمة هو سايكوباث بدوره، لكن "الأنا" لديه تتضخم إلى درجة أنه يختصر في شخصه الشعب والأمة وحتى الكون برمته. إنه متألّه يعبد نفسه، ويريد من المواطنين أن يعبدوه على هذا الأساس.
ويُفسّر الفيلسوف برتراند راسل ظاهرة الميغالومانيا كالتالي:" يختلف الشخص المصاب بمرض العظمة عن الشخص النرجسي( الذي يعبد ذاته) بأنه يرغب بأن يكون قوياً لا فاتنا. وهو يسعى لأن يخاف منه الناس لا أن يحبوه. ولهذه الفئة ينتمي المجانين والعديد من الرجال العظام في التاريخ".
الاسكندر الأكبر وهتلر وموسوليني وستالين وبول بوت (كمبوديا) وصدام حسين ، كانوا سايكوباث وميغالومانيا في آن. ممارساتهم الجنونية أدت إلى إبادة الملايين من دون أن يرف لهم جفن. وهم تمكنوا من اقتراف جرائمهم لأنهم كانوا يتسيّدون على أنظمة لاديموقراطية لاقانون فيها يردعهم، ولا شعب يُسائلهم، ولا محكمة تلاحقهم.
المنطقة العربية قبل ثورتي الياسمين والنيل كانت مرتعاً خصباً لهذه الأمراض النفسية- السياسية. ولذا أفرزت طيلة العقود الخمسة الماضية ما شهدنا من قمع واضطهاد، وقتل وتشريد، وسرقات ونهب، بقيادة "فراعنة" لايقبلون بأقل من جبل الأولمبوس، حيث تقطن آلهة الأغريق، مقراً لعروش سلطتهم.
- II -

سورية تعاني الآن من مضاعفات هذه الأمراض النفسية- السياسية على كل الصعد. فـ"رئيس البلاد" بشار الأسد يريد الآن من مواطنيه التصويت لتجديد ولايته في حزيران/يونيو المقبل للمرة الرابعة، بعد أن "اصطياد" منهم 150 ألف قتيل وأكثر من مليون جريح، وشرد 7 ملايين، ودمَّر 80 في المئة من البلاد. وهو بالطبع واثق من الفوز.
لقد ارتكب قادة المعارضة، من أحمد الجربا إلى جورج صبرا، خطأ فادحاً حين أطلقوا على هذه الانتخابات نعت "المهزلة" أو "القرار المثير للسخرية". الأمر أخطر من ذلك بكثير. فما نحن بصدده في سورية لم يعد لاشأناً سياسياً، ولاصراعاً على السلطة، ولانزاعاً بين الدول الإقليمية والدولية على أرض الشام، ولاحتى حروباً بين الهويات الطائفية والمذهبية القاتلة. إنه بات حدثاً كونياً ضخماً، أشبه بمعركة الأرماداغون بين الخير والشر، يقف فيه معظم الجنس البشري برمته في قفص الاتهام والإدانة.
إذ لو أردنا تلخيص تاريخ البشرية راهناً بتاريخ الحالة السريرية لنخبة واحدة بعينها هي أعضاء القيادة السورية الحالية(وقبلهم بقية سرب القادة المرضى في الماضي) لجاء التشخيص كالتالي: تهويمات ارتيابية حادة، ونزعة اضطراب عقلي (سايكوباثي) لارتكاب الجرائم واعمال العنف الفظيعة، وقسوة ضد من يعتبرونهم "أعداء" بينما هم في الواقع انعكاس خارجي لوعيهم الباطن. ما نحن بصدده هنا هو جنون إجرامي وقد أفلت من عقاله.

- III -

كيف السبيل إلى مواجهة هذا الوضع، الذي وصفته كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنه "أضخم كارثة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية"؟
ليس بالتأكيد من خلال مايفعله قادة المعارضة السورية الآن، أي الاطلالة على هذا الكارثة من منظور سياسي، ولا بدعوتهم الدول الكبرى إلى رفض "مهزلة الانتخابات الرئاسية"، بل بوضع الأمور الحقيقية في نصابها الحقيقي، وهي أن الشعب السوري واقع بين براثن مرضى جنونيين (بما في ذلك بعض قوى المعارضة المسلحة)، تدعهم قوى روسية وإيرانية وعربية لا أخلاق لها ولامباديء إنسانية، وأن الانقاذ الوحيد الممكن هو التعبئة العامة في كل المنطقة العربية وعرضها، وفي طول العالم وعرضه، لتعبئة الضمير البشري (أو ماتبقى منه) على التحرك.
الاسد، بتحديده موعد الانتخابات، نسف عملياً أي فرصة لنجاح سلسلة مؤتمرات جنيف. وهو لم يكن ليفعل ذلك من دون دعم روسيا التي ربما قررت الانتقام من "المؤامرة" الغربية ضدها في أوكرانيا عبر التصعيد أكثر في سورية. بقي أن تستيقظ قوى المعارضة السورية، وأيضاً "القوة الثالثة" في البلاد، من غفواتها السياسية، وتتحرك إنطلاقاً من واقع أنها لاتحارب انحرافاً سياسياً بل جنوناً مرضياً يتطلب وضع القيادة السورية، ومعهم بعض قادة المعارضة المرضى مثلهم، في مستشفيات عقلية، على مقربة من مقر محكمة الجنايات الدولية.
هل يعقل أن يواصل قادة المعارضة والقوة الثالثة إغفال هذه الحقيقة، وبالتالي إغفال وضع الخطط والبرامج الشاملة لمجابهتها؟ ماذا يحتاجون لإدراكها أكثر من تشريد نصف شعبهم وقتل وجرح قسم كبير منه، وتدمير معظم البلاد، ونسف كل مقومات البيئة وتوازناتها بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية؟
ماندعو إليه واضح:
أولا، إعادة رسم أولويات المعارضة والقوة الثالثة، عبر التحول من المطالبة بتغيير النظام السياسي إلى المطالبة بالعمل على وقف مسلسل الجنون السايكوباثي.
وثانياً، وضع "الجنس البشري" أمام مسؤولياته: إما مجابهة عربدة الجنون هذه، أو الاعتراف بأنه جنس غير جدير بهذه الحياة على كوكب الأرض؟
وثالثاً، وقف الرهان دعم الدول الغربية والعربية وأموالها ونفوذها، والعمل بدلاً من ذلك على خلق مد جماهيري عربي ودولي يستطيع وحده أن يقلب الموازين بين الجنون وبين العقلانية في سورية.
هذه ليست دعوة مثالية ولا حتى أخلاقية- إنسانية. إنها دعوة عقلانية. إذ هل من سبيل غير العقلانية لمواجهة جنون مرضي؟

سعد محيو






الأربعاء، 16 أبريل، 2014

العرب والعولمة (حلقة أخيرة): أجل. فلننسحب من العولمة على خطى النبي نوح!


- I -
المفكر البارز برتراند ميهوست (bertrand meheust  )  يعتبر  أنه فات الاوان على انقاذ البشرية من مصير مأساوي لامفر منه، نظراً إلى  الدمار الذي أحدثه الرأسمالية في بيئة الأرض والمحيط الحيوي. فـ"تليُّف الكبد النيوليبرالي"، على حد تعبيره، لا شفاء منه. وهذا مايراه أيضاً مفكر آخر هو وليم غريدر الذي أعلن أن العولمة ستتسبب  بسلسلة كوارث رهيبة  تلحق بالعالم قبل ان يتمكن الحس السليم من الانتصار. هذا إذا بقي وقت  لتحقيق انتصار ما.
كلا المفكرين على حق، لكن نسبيا. فبيئة الأرض وصلت بالفعل إلى درجة التشبع بالتلوث، ولن تستطيع الرأسمالية العالمية حتى لو أرادت (وهي لن تريد أبدا) أن توقف الحرب الشعواء التي أعلنتها على الطبيعة. وبالتالي الانتقام المقبل لأمنا غايا من الجنس البشري آتية لاريب فيها.
ليس هذا وحسب، بل لا بد من الاعتراف أيضاً أنه لا سبيل للتغلب على رأسمالية أو امبراطورية العولمة. فهي قوة طاغية، لا بل أكبر قوة طاغية في التاريخ. إذ هي تسيطر على فكرنا وثقافتنا (الأفلام والموسيقى، ومراكز الأبحاث، والصحافة والإعلام والفضائيات ألخ..)، والمأكل والمشرب( الأطعمة المعدلة جينيا، والسيطرة على أسواق وأسعار وبذورات المحاصيل الزراعية عبر الشركات الضخمة متعددة الجنسيات) وتوجيه أو خلق الأحلام والرغبات (التي تتركز كلها على إديولوجيا الاستهلاك)، وتحديد طبيعة أنظمتنا السياسية والاقتصادية وفق مصالحها الآنية والأنانية الخاصة التي لاعلاقة لها لامن قريب ولا من بعيد بالأخلاق والمثل العليا.
 وأخيراً ستقوم العولمة النيولبرالية قريباً بالعمل على تغيير الطبيعة البشرية نفسها، من خلال علوم البيوتكنولوجيا والجينات والكومبيوتر، لتخلق ما أسماه فرانسيس فوكوياما نفسه "آخطر إنقلاب في التاريخ البشري".
بيد أن كل ذلك لايجعل ميهوست وغيدر على حق كليا. إذ لا بد من الرهان على أمل ما بأن تبقى قلة بشرية ناجية من نار الجحيم البيئي الزاحف، لتقوم بإعادة بناء الحياة من جديد على كوكب الأرض.
- II -

لقد قلنا بالأمس في هذا الموقع أن ثمة حلولاً لهذه الكارثة.
ونقول اليوم أن هذا الحل يكمن مع النبي نوح!
فهذا النبي الذي تقول الأساطير الدينية أنه بنى فلكاً، أنقذ الحياة (وليس فقط البشرية) من طوفان هائل اجتاح كوكب الأرض ولم يبق ولم يذر،
حسنا. هذا الطوفان آت لا محالة في عصرنا الحديث، وهو يحمل اسماً واضحاً ومحددا: تغيّر المناخ.
صحيح أن العديد من العلماء يقولون أن "نهاية العالم" قد لاتأتٍ قبل 50 أو حتى 100 سنة، لكن الصحيح أيضاً أن كوارث ما قبل النهاية الأخيرة لن تقل هولا: ذوبان المجلدات القطبية وارتفاع مستوى المحيطات والبحار، بما سيتسبب بتسوناميات  وزلازل متكررة،  واضطراب فصول السنة بما يؤدي إلى ضرب التوازنات الإيكولوجية وإبادة اجناس لاحصر لها من النباتات والحيوانات التي تلعب دوراً هائلاً لتوازن البيئة،  ودورات متصلة من الجفاف والفيضانات التي تفجّر حروباً أهلية لاتنتهي (كما يحدث الأن في سورية والعراق وغرب إفريقيا وغيرها من المناطق).
فلك نوح الجديد المنقذ من ضلال العولمة النيوليبرالية لن يكون بالطبع سفينة بل فكرة. وهي تتمحور حول الأتي:
أولا، قيام قطاعات من المجتمعات المدنية في كل أنحاء العالم بالانسحاب من الاقتصاد الرأسمالي العالمي أو إعلان القطيعة معه، وابتداع برامج محددة لبناء اقتصادات بديلة تستند بالدرجة الأولى إلى ضرورات البيئة السليمة، وحاجات الإنسان الضرورية، وبالتالي تجنّب كل السلع الاستهلاكية المادية والثقافية التي تنتجها العولمة.
ثمة العديد من هذه المحاولات من هذا النوع الآن في فرنسا والولايات المتحدة والصين وهي تبشّر ، في حال توصلها إلى إبدعات خلاقة لاستخدامات العلم والتكنولوجيا على أسس سليمة بيئياً واقتصادياً وثقافيا، بولادة نظام عالمي بديل من تحت إلى فوق.
ثانياً، بلورة وعي كوني جديد، وبالتالي مواطنة عالمية جديدة، يستندان إلى اكتشافات الفيزياء  الحديثة حول وحدة الكون والوجود وحول كون الكل متضمن في الجزء والجزء متضمن في الكل. هذا الوعي لايعني بالضرورة ضرب الأديان والقوميات الحالية، بل هو يأخذ منها أجمل وأفيد مافيها، في إطار تعددية مابعد حداثية، من خلال تدمير الأسوار الانغلاقية التي بنتها الأديان والقوميات حول نفسها.
علاوة على ذلك، هذا الوعي الجديد، الذي ينهي انفصال الفرد عن الطبيعة والله والبشر والمخلوقات، سيكون أيضاً بطاقة خروج الإنسان من الجحيم النفسي الذي يعيشه في هذا العصر، والذي يتجسَّد في الأزمات السايكولوجية المدمرة، والصراعات الاجتماعية القاتلة (التي تغذيها النيولبرالية عبر إيديولوجيا "جينتها الأنانية")، والحروب على أنواعها. الوعي الجديد، المستند إلى ضرب الإيغو (الأنا) الأناني وإطلاق طاقات الإنسان الروحية من خلال فلسفات وتقنيات التأمل، سيكون مدخلنا إلى السلام الداخلي، والتضامن بدل التنافس الأعمى، والتعاون بدل الحروب، والتصالح مع أمنا الطبيعة بدل إعلان الحرب الخاسرة سلفاً عليها.
ثالثا، هذه الشبكات الاجتماعية والاقتصادية والسايكولوجية سيكون بمقدورها، إذا ماتوصلت في خاتمة المطاف إلى التنسيق في ما بينها، تشكيل حكومة ظل عالمية تقوم، من جهة بكشف كوارث العولمة النيوليبرالية الحالية بالأرقام والوقائع، ومن جهة ثانية بتوفير تصور لـ"بشرية جديدة" وحياة جديدة وأرض جديدة.
- III -
قد يقال هنا أن هذا مجرد مشروع حالم أو مثالي.
وهذا صحيح.
لكن، فلنتذكر القانون الذهبي الأبرز في التاريخ والطبيعة، والذي يشير إلى أن المخلوقات لاتتطور بالفعل إلا إذا ماتعرضت إلى خطر ماحق يهدد وجودها برمته. هذا ماحدث، مثلاً، للأسماك قبل مليارات السنين التي اضطرت إلى الخروج نحو اليابسة بسبب الخلل الذي ضرب بيئتها البحرية. وهذا ماحدث أيضاً للزواحف التي اضطرت إلى تعلم الطيران للهرب من ضغوطات بيئية ما ماحقة.
كذلك، المجتمعات البشرية التي حوصرت بالتصحير والجفاف على مدار التاريخ، اجبرت على الهجرة إلى أماكن صعبة وقصية بحثاً عن مناخات مناسبة للحياة.
والآن، ولأن الجنس البشري مهدد برمته  بسبب عولمة الرأسمالية للتلوث، لم يعد ثمة مجال أمامه سوى  التطور من خلال بناء حضارة سلام بيئية- تعاونية- روحية تنطلق من الفرد والمجموع في آن وعلى حد سواء، أو الانقراض.
لقد بلغ السيل الذبى بالنسبة إلى  أمنا الأرض (غايا). وما لم نقم بفعل التوبة اليوم تحت أقدامها، ستدوسنا غداً تحت هذه الأقدام، وستكتب نهاية قاتمة للمشروع البشري برمته.
القرار لكم، أفراداً وجماعات.

سعد محيو




الثلاثاء، 15 أبريل، 2014

العرب والعولمة(4): اعترافات "متعولم" تائب!


- I -
يعترف كاتب هذه السطور أنه كان في البداية من المتحمسين للعولمة وللانضمام إليها، ليس لأنه نقل بندقية الانتماء من كتف الاشتراكية (فهذا لم يحدث) إلى قبضة الرأسمالية (فهذا كان ولايزال غير وارد)، بل لقناعة بأن هذا "القدر الحتمي" سيكون تقدمياً، كما كانت الرأسمالية في نشأتها تقدمية حين برزت على انقاض النظام الإقطاعي.
كان ثمة مراهنات، أو بالأحرى أوهام، أخرى: فالعولمة، بصفتها قوة حديثة ومابعد حديثة، يفترض أن تجلب معها حقوق الانسان والديمقراطية، والعلم والتقانة والعقلانية، وتوحيد العالم في قرية واحدة من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات المذهلة، وتلغي التعصب بكل أشكاله العرقية والقومية وألوانه الدينية، من خلال تجاوز الدولة القومية التي تسببت بالكوارث الهائلة في القرن العشرين، وقبله منذ القرن السابع عشر حين حوَّلت النهضة الإنسانية الأولى في أوروبا إلى نزعة استعمارية وعنصرية عاتية.
لكن، يتبين الآن مدى خطل هذه الرهانات من ألفها إلى الياء.
صحيح أن الرأسمالية العالمية انتصرت في كل العالم (كما توقع كارل ماركس) وحولّته إلى سوق واحد، وصحيح أن عصر العولمة أزال الحواجز أمام الأفكار والمعلومات والسلع والخدمات. لكن الصحيح أيضاً أن الرأسمالية النيوليبرالية المنفلتة من عقالها، والمسيطرة على كل ما يكتب ويذاع ويبحث وينشر ويتداول من فكر وثقافة في العالم، ألحقت، ولاتزال، دماراّ ربما فات الأن أوان ترميمه في بيئة أمنا الأرض، وأوجدت أضخم حالة لامساواة في كل التاريخ البشري ( بين واحد في المئة يملكون كل شيء وفي خدمتهم 20 في المئة يكونون جيشوهم الصغيرة، وبين 80 في المئة الباقين)، وحوّلت السعادة الفردية كما الجماعية إلى سراب استهلاكي منقطع السرعة، ووضعت العالم والتكنولوجيا في خدمة مصالحها الخاصة، بما في ذلك بدء تحويل أفراد الطبقات الرأسمالية إلى "مخلوقات خالدة" عبر تقانة البيوتكنولوجيا.
والأهم من هذا وذاك أن العولمة اندفعت بكل طاقتها لتكريس إيديولوجيتها القائمة على التركيز على أن الإنسان فردي واناني تطبعاً وطبيعة (نظريات الجينة الأنانية)، وبالتالي أن الحروب والصراعات والتنافسات الوحشية والتنافسية، ومعها ديكاتورية السوق، جزء لايتجزأ من هذا الطبع وتلك الطبيعة.
- II -

لكن، إذا كانت العولمة الرأسمالية على هذا القدر من الوحشية والخطورة، فإنها في الوقت نفسه، كما قلنا، تبدو قدراً حتمياً لامرد له. هذا إضافة إلى أن كل المحاولات التي بذلت خلال العقدين الماضيين لطرح بدائل لها، من العولمة البديلة إلى العولمة ذات الوجه الإنساني أو العولمة الأممية والاشتراكية، لم تُحدث حتى خدوشاً على سطحها على رغم المظاهرات والمؤتمرات الصاخبة في سياتل ونيويورك ولندن وباريس وبقية عواصم العالم.
وطالما أن الأمر على هذا النحو، ماذا في وسعنا نحن الرافضين لهذا المصير الداكن في المنطقة العربية والعالم أن نفعل؟ أليس من الأفضل بدل الرفض غير المجدي أن نراهن، مثلا، على نهوض مماثل للصين والهند في ظل العولمة، على رغم أن هذين البلدين العملاقين مهددان الآن، خاصة الصين، بكوارث بيئية مرعبة قد تتبعها ربما حروب أهلية طاحنة؟.
كلا.
فعلى المستوى العربي، لايتوقعن أحد أن تسمح إسرائيل، وهي المركز الشرق اوسطي الحقيقي للعولمة، بدخول استثمارات انتاجية صناعية وزراعية وتكنولوجية إلى الدول العربية، لأن ذلك سيهدد هيمنتها الكاسحة على المنطقة. كما أنه قد يلغي كل المشروع الشرق أوسطي القائم على كون الدولة العبرية المركز الانتاجي والتكنولوجي الوحيد في هذا الإقليم.
هذا إضافة إلى أن الدول العربية نفسها تحوّلت كلها وبلا استثناء إلى ما أسماه غونار ميردال "الدولة الرخوة" التي ينخرها الفساد من رأسها إلى أخمص قدميها، وأصبحت تابعة بالكامل لقوى العولمة الرأسمالية المتعولمة. وهذه الأخيرة لاتريد من الدول العربية سوى أن تسهّل تحوّل بلدانها إلى سوق استهلاكي للشركات متعددة الجنسيات، وأن تركز (خدمة للمركز الإسرائيلي) على القطاعات الخدماتية غير الانتاجية.
هذا الواقع، يضاف إليه تضافر وتقاطع عاملي تغير المناخ والطفرة الديموغرافية الشبابية، سيعني أمراً واحدا: أن بقاء المنطقة العربية مرتبطة بنظام العولمة وشروط التكيف الهيكلي التي تفرضها مؤسساتها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى منظمة التجارية العالمية، ومن ورائهما حكومات الاتحاد الاوروبي وجيوش الامبراطورية الاميركية، سيؤدي إلى سلسلة اضطرابات اجتماعية وطائفية وإثنية وحروب أهلية لاتنتهي. وهذا على أي حال مايحدث الآن في مصر وتونس وليبيا والسودان واليمن وسورية، وما سيحدث حتماً قريباً في الجزائر والمغرب ودول الخليج.
وعلى الصعيد العالمي، سيتواصل فرز المجتمعات الغربية المتقدمة صناعياً إلى أقلية احتكارية تخدمها فئة العشرين في المئة وإلى 80 في المئة يمارسون العطالة والبطالة في إطار ما أسماه زبغنيو بريجنسكي  " TittytainmenT، أي "إرضاع" الـ80 في المئة من صدر التسليات الاستهلاكية التافهة، تماماً كما كان يفعل أباطرة روما القديمة حين كانوا يلهون مواطينهم بـ"السيرك والخبز".
بيد أن الأهم عالمياً هو التدهور البيئي. فأقطاب العولمة ينفقون عشرات مليارات الدولارات سنوياً على مراكز الأبحاث و"العلماء" الذين ينفون وجود ظاهرة تغيّر المناخ، أو يروجون أن التنكولوجيا قادرة على خفض نسب التلوث، من دون تنفيذ ماطالب به نادي روما منذ السبعينيات بضرورة وقف النمو الاقتصادي، لأن الأرض لم تعد تتحمل هذا النزف البيئي الهائل للمحيطات والأنهار والتربة والهواء.
بيد أن الكارثة البيئية العالمية موجودة وحقيقة واقعة. وهذا ما حذّر منه بقوة تقرير الأمم المتحدة الأخير قبل أيام حول تغيّر المناخ، والذي أشار فيه إلى أنه إذا ماواصلت الدول الغنية في الغرب والصاعدة في الشرق تجاهل ضرورة خفض معدلات ثاني أوكسيد الكربون، فبعد عقد من الآن سيكون الوقت قد فات لوقف مضاعفات تغير المناخ.

- III -
الآن، طالما أننا في طريق مسدود عربياً وعالمياً إزاء العولمة، فهل هذا يعني أن نستسلم لأقدارنا؟
كلا.
هناك حلول، واقعية ومثالية في آن!
(للحديث صلة).

سعد محيو






الأحد، 13 أبريل، 2014

العرب والعولمة (3): مَنْ إلى الجحيم: نحن أم العولمة؟


- I -
أشرنا بالأمس إلى أن ثمة فريقاً ثالثاً إما أنه يرفض العولمة جملة وتفصيلاً، أو أنه يدعو إلى عولمة يسارية بديلة، أو على الأقل يدعو إلى  كبح جموح "البريرية النيو- ليبرالية" (كما يسميها)، عبر أنسنتها وإصلاحها.(*)
المفكر الماركسي البارز سمير أمين كان من أوائل من دعا ليس إلى رفض العولمة وحسب، بل أيضاً إلى "الانفكاك عنها" كوسيلة وحيدة لتجنب شرورها وكوارثها الاجتماعية والانسانية والبيئية. كما أنه دعا إلى تأسيس "الأممية الخامسة" لتحقيق هذا الغرض.
منذ صدور دعوة أمين هذه،  بتنا نشهد إنشاء وتطور فضاءات بديلة للتضامن الاقتصادي في العالم، وراحت تزدهر تجارب اقتصاد تضامني في مجتمعات صغيرة على شكل نظم تبادل من خارج قنوات النظام الاقتصادي المتعولم السائد. حنى أن هذه النظم ابتكرت أنظمة عملة موازية بين اعضائها.(أطلق على هذه الحركة اسم "ممارسات الانشقاق الاقتصادي: الشبكات المتمردة والابداع الاجتماعي"). ذلك هو الفكر الاقتصادي المتمرد الذي  تسوده الاخلاقيات والقيم الانسانية. رجال ونساء هربوا من العولمة الشافطة واستقلوا.
بعد موقف سمير أمين، كرت السبحة.
فالمفكر شوماخر، صاحب نظرية "الصغير جميل"، قال أن الوسيلة الأمثل للتصدي للعولمة النيوليبرالية، هي استخدام تكنولوجيات وسيطة متوسطة الحجم بحيث تصبح في متناول الانسان خاصة في العالم الثالث. وروبرت هيلبرون بشَّر بانحطاط حضارة الاعمال، فيما شدد جوزف شومبيتر على أن  الرأسمالية ستؤدي إلى مأزق وجودي خطير.
كل هؤلاء أبرزوا مخاطر الاستهلاك وكوارث "ثقافة" شركات الاعلان الكبرى التي تساعد ليس فقط على انتشاره (الاستهلاك)، بل أيضاً على خلق ما أسموه  "الجماهير الاصطناعية"، أي تلك التي تخلق لها العولمة سلعاً استهلاكية ليست في حاجة إليها، بحيث يتحول الناس إلى آلات عمياء لاستهلاك أشياء وآراء سياسية دوغمائية. ويرى الفيلسوف الفرنسي بودريار، على سبيل المثال، أن  الاستهلاك الذي تروٍّج له العولمة بعيد كل البعد عن أن يكون بيئة تساعد على ازدهار الكوسموبوليتية الكونية في الاخلاق والفلسفة الاخلاقية التي نادى بها كانط والديانات الكبرى. لا بل هي أحدثت فراغاً في المجال الاجتماعي والمثل العليا الاجتماعية، وافرغت الوجود الانساني من معناه بتركيزها على حفز استهلاك أكثر المنتجات تفاهة.
بذور هذا الانقلاب كان جلياً في تحوّل الاقتصاد السياسي إلى "علم" يقوم على الرياضيات. ومثل هذا التحول سيزيل تدريجياً  الذاكرة والثقافة والاخلاق والقيم: ويحوّل البشر والاقتصادات إلى علم خاص بالنيوليبرالية وظيفته انتاج تنتج ديكتاتورية السوق العالمي الخالي كلياً من الضوابط، مثلها مثل ديكتاتورية البروليتاريا.
وهكذا، فإن علماء الاقتصاد باتوا جزءاً من شبكات أنواع جديدة من السلطة العابرة للحدود القومية. وقد أخذت هذه السلطة المتعولمة تنتظم على مراحل من خلال بنية قوية، هرمية وأفقية تدعمها بيروقراطية ضخمة. عناصر هذه السلطة إضافة إلى الاقتصاديين: مراكز الأبحاث، وكبار الموظفين في الدول القومية والمؤسسات الدولية، والأكاديميين، وصانعي القرار في وسائل الاعلام وقادة كبريات بعض المنظمات الانسانية غير الحكومية. كل هؤلاء شكلوا "جيوشاً صغيرة" تعمل في خدمة العولمة في كل أنحاء العالم وفق انضباطية هرمية. وهي جيوش تضم ملايين الاشخاص الذين يتصرفون كجنود طائعين.
ويرى د. جورج قرم أن "تكاثر المعازل في المدن الكبرى للاثنيات المختلفة، أثبت فشل العولمة إلا في اوساط النخبة التابعة لها. وبهذا المعنى كانت العولمة بحق نتاج حضارة امبراطورية تحمل ماضي الامبراطوريات الاستعمارية وماضي الولايات المتحدة وبدرجة أقل أوروبا".
- II -

بالاضافة إلى التيار الرافض كلياً للعولمة، والتي يعتبرها مجرد استمرار للامبريالية الغربية (التي أصبحت جماعية غداة الحرب الباردة)، هناك ثلاثة تيارات أخرى:
الأول، يُعتبر رفضاً للعولمة أقل مما هو رفض للنظام الرأسمالي: وهو تجديد للفكر الماركسي، وتمثله منظمة "أتاك" التي نشأت في فرنسا.
والثاني، موقف إصلاحي مرن راغب في تنظيم أفضل للأسواق العالمية.
 والثالث موقف إصلاحي واقعي ومثالي يطالب بعالم متعدد الاقطاب سياسياً، يكفل نهوض ممارسة ديمقراطية من قبل عولمة مسؤولة وأكثر انسانية اعتمادا على قانون أخلاقي.
بيد أن مفكرين بارزين أخرين مثل برتراند ميهوست (bertrand meheust  )  يعتبرون  أنه فات الاوان على انقاذ البشرية من مصير مأساوي لامفر منه، نظراً إلى  الدمار الذي أحدثه الرأسمالية في المحيط الحيوي. فـ"تليف الكبد النيوليبرالي"، على حد تعبيره، لا شفاء منه. وهذا مايراه أيضاً وليم غريدر الذي أعلن أن العولمة ستتسبب  بسلسلة كوارث رهيبة  ستلحق بالعالم قبل ان يتمكن الحس السليم من الانتصار.
وانضم إلى هذا الركب فرانسوا بارتان الذي شدد على أن التنمية في إطار العولمة "عبث وجنون إذا اخذنا في الاعتبار المشكلات البيئية. والمأزق سيدفع البشر إلى البحث عن معنى آخر للحياة".
- III-
مَنْ الأقرب إلى الدقة والصحة من هذه التيارات؟ وأين المنطقة العربية منها؟
(غدا نتابع)
(*) تفاصيل هذه المواقف من العولمة، مبثوثة في كتاب المفكر العربي البارز  د. جورج قرم الاخير بعنوان " حكم العالم" ، الذي اعتمدنا عليه في هذا المقال. وسنقوم قريباً باستعراض هذا الكتاب بالغ الأهمية.

سعد محيو










السبت، 12 أبريل، 2014

العرب والعولمة (2): سيناريوهان خطيران



-I-
قلنا بالأمس (راجع "اليوم، غدا- 10-4-2014) أن حصان الإقتصاد يجب أن يقود عربة السياسة والأمن في المنطقة العربية إلى حيث حلبة العولمة. وهو إنقلاب مهم حتماً. لا بل يمكن أن يثبت بعد حين أنه تاريخي أيضاً،  إذا ما تواصل زحف قوى العولمة الإقتصادية على المنطقة.
. لكن، لماذا هذا الأنقلاب؟ وما تجلياته؟
الأسباب تبدو عديدة، وكذا التجليات
" الإندماج في الإقتصاد العالمي هو تحد لكل من يجرؤ على " شراء "  العولمة وقبول مخاطرها التي تشمل خسائر الإستثمارات؛ توسَع الفجوة في المداخيل؛ تناقص القدرة على المنافسة؛ تلوث البيئة، وسيطرة النزعة الإستهلاكية. لكن في المقابل، العزلة وإستمرار الامر الواقع غير مقبولين، إذ ان المصير الأسوأ للدول من العولمة هو ألا تمَسها بالعولمة " .
هكذا يرى البروفسور أنوش إحتشامي، رئيس قسم الحكومة والشوؤن الدولية في جامعة دورهام البريطانية، إلى مستقبل العولمة في المنطقة العربية ومستقبل المنطقة في العولمة: مصير مشترك، وتفاعل حتمي لامفر منه، طالما أن تدويل الأنتاج( الذي هو أس العولمة الناجم عن ثورة المعلومات والإتصالات)  هو أيضاً امر حتمي لامفر منه. وهذا سيحدث على رغم كل التطورات السياسية والامنية التي جرت وتجري في مصر والعراق وسورية وتونس ولبنان وفلسطين والسودان.. ألخ.
لكن أي إندماج؟ اي عولمة؟
-II-

ثمة سيناريوهان هنا:
الأول، هو مايجري الأن على أرض الواقع: إستفراد قوى العولمة ومؤسساتها وهياكلها بكل دولة عربية على حدة، وربطها مباشرة إما بإسرائيل، أو بأوروبا، او بالولايات المتحدة.
الاردن يشَكل حالياً النموذج الأبرز للربط الاول( مع إسرائيل). وهذا يتم عبر إتفاقات التجارة الحرة والمشاريع المشتركة، التي تحظى بتسهيلات كبرى من الولايات المتحدة مثل تسهيل الدخول إلى أسواقها وتقليص الرسوم على الصادرات.
المغرب العربي وبعض دول المشرق نموذج عن الإرتباط الثاني ( مع اوروبا) من خلال مشروع الشراكة الأوروبية – المتوسطية، فيما منطقة الخليج هي النموذج الثالث الذي تلعب فيه الإتفاقات الثنائية مع أميركا الدور الاول.
في كل هذه الحالات، تبدو المخاطر أكبر بكثير من الفرص بالنسبة إلى الدول العربية. فهذه الأخيرة تجد نفسها مجبرة على تكييف إقتصاداتها بشكل منفرد مع متطلبات الشركات الأجنبية لا مع حاجات شعوبها المحلية؛ وتواجه صناعاتها الناشئة تحديات الموت السريع؛ وتسود لدى شرائح مجتمعها نزعة الإستهلاك الشديد، المترافق مع فجوات كبيرة في المداخيل بين الكثرة الفقيرة والقلة فاحشة الثراء المستفيدة من العولمة.
ثم هناك بالطبع التهديدات للهوية العربية والحضارية الاسلامية- المسيحية. فما هو مطلوب في هذه المرحلة من إدماج المنطقة في الإقتصاد العالمي، لايقل عن كونه دعوة إلى تدمير الهوية العربية، وإستبدالها إما بالهوية الشرق اوسطية او بالهويات الفرعية القاتلة المذهبية والطائفية والعشائرية.
السيناريو الثاني، هو تحقيق الإندماج الإقتصادي العربي قبل دمج المنطقة بالعولمة، أسوة بما جرى في أوروبا وأميركا الشمالية وجنوب شرق آسيا. هذا السيناريو لم ير النور بعد، لكن ممارسة الضغوط الشعبية على الحكومات العربية لفتح اسواقها، وتسهيل التبادلات السكانية بين شعوبها، وربط هذه الشعوب بمصالح إقتصادية متبادلة، قد يحقق هذا الأمر. بيد أن هذا الجهد لن يكون كافياً. القرار السياسي الخاص بإقامة السوق العربية المشتركة وباقي مؤسسات الإندماج الإقتصادي العربي، لا يزال هو العامل الأهم في تقرير مصير علاقة المنطقة بالعولمة.
وهذا بالتحديد ما دعا إليه الرئيس التونسي المنصف المرزوقي خلال مؤتمر القمة العربي الأخير، حين ألمح إلى أن الطريقة الوحيدة لمواجهة العولمة هي الشروع في تحقيق نوع من الاتحاد العربي.

قد يقال هنا أن الغرب لن يسمح للعرب وهم في ذروة تدهورهم بما لم يسمح به لهم وهم في ذروة قوتهم: التوَحد. لكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة. فالتوَحد الان، وهو إقتصادي- تجاري بالدرجة الاولى، يخدم تماماً مصالح الغرب، فيما كان مشروع التوَحد العربي في الخمسينات والستينات سياسي- إستراتيجي يشَكل بالفعل تهديداً للمصالح الغربية.
- III-
الان، وطالما الامر على هذا النحو، لماذا لا تسارع الدول العربية إلى تحسين عملية إدماجها بشكل جماعي في الإقتصاد العالمي، بدل تعريض نفسها لمخاطر جمة بشكل إفرادي؟
سؤال ربما يبدو في غير وقته الان، بسبب الضعف الشديد الذي ينتاب معظم البلدان العربية. لكنه سيفرض نفسه بعد حين، حين تشعر كل دولة عربية بأنها غير قادرة  على السباحة بمفردها في بحر يعج بأسماك القرش  المفترسة والحيتان العملاقة. والحاجة، كما يقال، هي أم الأختراع، حتى في الشأن الوطني والقومي.
لكن، ثمة فريق عربي ثالث يرى الحل عبر سيناريو مغاير تماماً لكل ما تقدم: الانفكاك كلياً عن العولمة وعن النظام الرأسمالي العالمي برمته. وهذا ماسنستعرضه غدا.
( غدا، الحلقة الثالثة).


                                                                                سعد محيو




الخميس، 10 أبريل، 2014

العرب والعولمة: أي انقلاب، ونحو أي مصير(1)؟



- I -

أين  أصبحت مسيرة دمج العالم العربي في العولمة ؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك،  لنتفق أولاً على بعض التعريفات، لأن العولمة باتت في الآزمة الأخيرة حمالة أوجه كثيرة:
تعبير العولمة شهد خلال السنوات العشر الماضية إجتهادات متناقضة إلى حد كبير، طبقاً لطبيعة الطرف الذي يقاربه. فالعولمة في واشنطن، مثلاً، غيرها في بروكسل، برغم أن كلاً من اوروبا والولايات المتحدة أسستا تكتلات إقتصادية( الإتحاد الأوروبي ، النافتا) لتسهيل إندماجهما ومنافستهما في الأقتصاد العالمي.والعولمة في بكين ونيودلهي غيرها في المنتدى الإشتراكي العالمي، برغم أن هاتين الدولتين العملاقتين تشتركان في كل نشاطات هذه الأخير. فقلبهما معه، وعقلهما في جيب منتدى بافوس الرأسمالي الدولي.
نعوم تشومسكي لامس هذه التباينات مؤخراً حين حدد العولمة كما يلي:
1-   التعبير، بمعناه المحايد، يعني " الإندماج العالمي". وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون المنتدى الإشتراكي العالمي مظهراً من مظاهر العولمة، تماماً كما ان منظمة التجارة العالمية هي تظاهرة كبرى من تظاهراتها.
2-    القوى الرأسمالية حاولت تشويه هذه الحقيقة، حين حصرت العولمة في إطار محدد هو الإندماج الإقتصادي العالمي، ثم حين  حصرت هذا الحصر نفسه في الأولوية القصوى التي أعطيت لحقوق المستثمرين لا لحقوق الناس والشعوب. هذا ما بات يعرف بـ " توافق واشنطن" الذي لايعنى سوى بمطالب المستثمرين، والدائنين، والشركات الكبرى، والمصارف، والمؤسسات المالية الدولية وغيرها.
3-   وبالتالي، المعركة الكبرى الأن هي في إنقاذ العولمة من بين براثن  "توافق واشنطن " الذي تسيطر عليه وتديره نخبة مالية صغيرة تعمل في إطار ما بات يعرف بالنظام النيو- ليبرالي العالمي الجديد.

-II -

تشومسكي على حق بالطبع. لكن هذا لايعني ان منطقه له اليد العليا. فالحياة موازين قوى. وهذه الأخيرة تميل بقوة هذه الأيام لصالح العولمة الليبرالية الجديدة التي تعيد إنتاج العالم وفق صورته،ا التي ليست شيئاً آخر سوى صورة شركات العولمة متعددة الجنسيات، والمصارف العالمية الكبرى، وديناصورات المضاربة بالعملات والأسهم من أمثال جورج سوروس.
هذا النمط الخاص من العولمة هو الذي بدأ يطل برأسه هذه الأيام في الشرق الاوسط العربي. وهو يفعل ذلك بصورة متميزة للغاية.
فقد كان الإنطباع حتى السنوات القليلة الماضية أن المنطقة العربية تخلَفت عن اللحاق بقطار العولمة، بسبب تدهور اوضاعها الامنية، وتآكل هياكلها السياسية بفعل الإستبداد والديكتاتوريات، وتخلَف بناها التحتية والتشريعية. وهذا عنى آنذاك أن الاولوية هي للإصلاح السياسي والإستقرار الأمني ومكافحة الإرهاب كمدخل إجباري لا بد منه للولوج إلى عالم العولمة.
لكن هذه كانت أحاديث الأمس. أحاديث اليوم باتت معكوسة تماماً: حصان الإقتصاد يجب أن يقود عربة السياسة والأمن إلى حيث حلبة العولمة.
إنقلاب مهم؟ حتماً. لا بل يمكن أن يثبت بعد حين أنه تاريخي أيضاً،  إذا ما تواصل زحف قوى العولمة الإقتصادية على المنطقة.
. لكن، لماذا هذا الأنقلاب؟ وما تجلياته؟
الأسباب تبدو عديدة، وكذا التجليات.
(غدا نتابع)

                                                                        سعد محيو

الأربعاء، 9 أبريل، 2014

انقلابات الربيع العربي:(2) وداعاً للهوية، أهلاً بالصراع الطبقي




قلنا بالأمس (راجع اليوم، غداً- 8-4-2014) أن شعارات الديمقراطية والحريات لن تختفِ، وأن قوى الاسلام السياسي ستعيد في نهاية المطاف، وبعد أن تفيق من صدمة الخروج من جنة الحكم إلى جحيم السجون مجدداً، النظر في أسباب تناقض أولوياتها مع الأولويات الشعبية، كما حدث لأسلاميي أردوغان بعد سقوط تجربة أستاذهم أربكان العام 1997، إلا أن هذا لن ينفِ الحقيقة بأن الدولة الأمنية عادت بقوة إلى الساحة بدعم شعبي واضح.
ثم تساءلنا: هل سيعني هذا "نهاية التاريخ" بالنسبة إلى أولوية الديمقراطية؟
الدولة الأمنية
الحال أن الدولة الأمنية، خاصة في مصر، سنتنشط من الآن فصاعداً لتثبيت أقدام شرعيتها على محاور ثلاث: الحرب ضد "الإرهاب"، والضرب على وتر الوطنية المصرية وانتهاج سياسة خارجية نشطة لتغذية هذه الوطنية خصوصاً في منطقة منابع النيل وسيناء وربما أيضاً في المجابهة الشكلية مع الولايات المتحدة، وطرح مشاريع اقتصادية كبرى كبناء مليون شقة سكنية وتطوير قناة السويس.
نظام حسني مبارك أفاد أيما إفادة من المحور الاول، حين حظي بشرعية قتاله ضد الإرهاب الأصولي طيلة عقد كامل من التسعينيات. والأرجح أن النظام الجديد برئاسة المشير السيسي سيراهن على الأمر نفسه، خاصة وأن الأمن باتت له الأولوية لدى قطاعات واسعة من المصريين.
بيد أن مسألة الأمن والإرهاب، وعلى رغم أنها ستمنح النظام الجديد فرصة كبيرة لالتقاط الأنفاس، ستكون في الواقع أشبه بمعالجة مرض السرطان بالاسبيرين. هذا ناهيك عن أنها مؤقتة. فسكان مصر، الذين تجاوز تعدادهم الـ86 مليون نسمة، نصفهم تحت خط الفقر وثلاثة أرباعهم تحت سن الخامسة والثلاثين، يحتاجون إلى ثورة انتاجية حقيقية وشاملة قادرة وحدها على "توفير فرص العمل، والتعليم، والمسكن، والغذاء، والعلاج"، وهي أمور وعد بها المشير السيسي المصرييين في خطاب الترشيح للرئاسة (16-3-1014).
بيد أن اللايقين يهيمن على قدرة السيسي على تنفيذ هذه القفزة الانتاجية لسبيين رئيسيين: وجود طبقة كومبرادورية قوية، وظاهرة العولمة التي ترتبط بها هذه الطبقة.
بالنسبة إلى السبب الأول، معروف أن الطبقة المهينة حالياً على مصر، هي طبقة رجال الأعمال الجدد الكومبرادوريين الذين برزوا في عهدي السادات-  مبارك، والتي تضم أيضاً كبار رجال بيروقراطية الدولة وأجهزة الأمن والجيش. وكل هذه القوى ستقاوم بشراسة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة وحديثة وانتاجية، ناهيك عن معارضتها البديهية لأي فكرة حول العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الدخل، وتوجيه الدولة للاقتصاد والاستثمارات نحو القطاعات الانتاجية والاستراتيجية.
لقد أشار السيسي في خطاب الترشيح إلى "ضرورة إعادة بناء جهاز الدولة الذي يعاني من الترهل، بحيث يتحدث بلغة واحدة ويصبح وحدة واحدة" (وهذه إشارة إلى صراع "إقطاعيات" القضاء والشرطة ودوائر الاقتصاد)". لكن، هل هذا ممكن من دون مجابهة مايسميه سمير أمين "الكتلة الرجعية بقيادة البورجوازية الكومبرادورية"؟
أمين يعرف هذه الكتلةعلى النحو التالي:
 " إنها (الكتلة) برزت خلال الأربعين سنة الماضية، من خلال صعود البورجوازية الغنية التي كانت المستفيد الوحيد من اللامساواة الفضائحية التي ترافقت مع النموذج الليبرالي المعولم. وهي تضم بضع عشرات الآلاف ليس من "منظمي المشاريع المبتكرين، كما يسميهم البنك الدولي، بل من أصحاب الملايين والمليارات الذين يعود الفضل في ثرواتهم إلى التواطؤ مع جهاز الدولة ضمن منظومة الفساد. هذه البورجوازية الكومبرادورية (التي يسميها المصريون طبقة الطفيليين الفاسدين) تنشط بحماسة لضم مصر إلى النظام الامبريالي المتعولم من دون شروط. وهي تشمل في صفوفها العديد من جنرالات الجيش والشرطة، و"مدنيين" لهم روابط بالدولة، وشخصيات دينية والشيوخ البارزين في الأزهر".
ويقول عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر،  أنه رغم دعمه ترشيح السيسي للرئاسة، إلا أنه يخشى أن تبتلع هذه الطبقة الكومبرادورية، والتي قال أنها تسيطر عملياً على الإعلام والاقتصاد في مصر، الجهود الاصلاحية التي قد يقوم بها السيسي.
جدار العولمة
لكن، حتى لو نجح الرئيس المصري الجديد في تجاوز بعض العقبات الكأداء التي تضعها هذه الطبقة في وجه التنمية الانتاجية في مصر، إلا أنه سيصطدم في النهاية بجدار السبب الثاني الذي أشرنا إليه وهو نظام العولمة.
فهذا النظام، الذي استند منذ أربعة عقود إلى النظريات الليبرالية الجديدة (أو مايسميه اليساريون "الرأسمالية المتوحشة")، سيفرض على السيسي أن يضع إصلاحاته إيضاً في الإطار النيو- ليبرالي. وهذا يشمل رفع الدعم عن مشتقات الوقود والغذاء، وإصلاح الخلل في ميزانية الدولة، ومكافحة التضخم، ومواصلة مشاريع الخصخصة. وكل ذلك سيفرض تدابير تقشفية قاسية على شعب يعاني أصلاً من أزمات معيشية خانقة. هذا علاوة على أن إسرائيل، التي تتمتع بنفوذ خاص وبارز في نظام العولمة، كانت ولاتزال ترفض إقامة أي مشاريع انتاجية في مصر لأن ذلك سيشكل، كما سبق لديفيد بن غوريون أن قال، "خطراً على موقع الدولة العبرية وأمنها القومي في الشرق الأوسط".
الحل الوحيد الذي يبدو ممكناً لتحقيق التنمية الذاتية في مصر هو ما أسماه خبير اقتصادي يساري "العمل على الانفكاك أو الخروج من النظام العالمي". بيد أن هذا بالطبع يتطلب قماشات سياسية غير متوافرة حتى الآن لا في المنطقة العربية ولا في بقية مناطق الجنوب في العالم.
وبالتالي، سيجد النظام المصري الجديد، وفي الواقع أي نظام عربي آخر في منظومات الربيع العربي، نفسه متنازعاً بين عولمة مدمرة تفرض ذاتها بالقوة العارية، وبين تنمية اجتماعية- إنسانية حقيقية مستحيلة.
وبين الواقع والاستحالة، ستكون الثورات الشعبية المتجددة والمتتالية في مصر وبقية المنطقة العربية، هي على الأرجح الحاضر والمستقبل الوحيدين لشعوب المنطقة.
* * *
إن عوامل الهوية والصراع الاجتماعي والعولمة ستواصل التفاعل العنيف في المنطقة، جنباً إلى جنب مع ظواهر التطرف الأصولي، والتفكك الاجتماعي والطائفي- الاثني، والحروب الأهلية في المجتمعات العربية التعددية.
لكن سيف الحسم، في نهاية المطاف، سيكون لصالح الصراع الطبقي بين كثرة الفقراء الكاسحة، التي تقودها الآن "الطفرة الشبابية" الكبرى، وبين الواحد في المئة من الاغنياء المنتمين إلى بيروقراطية العولمة.
وهذا يذكرنا بالمناخات الشعبية التي سبقت الثورة الفرنسية الكبرى العام 1789 ومهّدت لها، قبل أن تتسلم قيادها البورجوازية الفرنسية. هذا بالطبع مع الفارق الكبير أن هذه الأخيرة كانت ثورية مناقضة للإقطاع، فيما البورجوازيات العربية رجعية مستسلمة لبيروقراطية العولمة ومراكزها وشركاتها وجيوشها.
سعد محيو
..






الثلاثاء، 8 أبريل، 2014

انقلابات الربيع العربي:(1) وداعاً للهوية، أهلاً بالصراع الطبقي


ثلاث سنوات عجاف مرّت الآن على موجة ثورات الربيع العربي، من دون أن تتوضح تماماً بعد طبيعة هذه الثورات، أوديناميكياتها، وبالتالي مآلها.
بالطبع، دوافع هذه الانتفاضات معروفة. وقد تحدثت عنها باسهاب التقارير المتلاحقة عن التنمية البشرية العربية التي أصدرتها الأمم المتحدة: عجوزات المعرفة، والحرية، واللامساواة بين الرجل والمرأة. هذا بالطبع إضافة إلى وصول التحديث الاقنصادي- الاجتماعي والسياسي (ومعه مسألة الهوية) في كل الدول العربية تقريباً إلى طريق مسدود، وغياب مفهوم الأمن الإنساني بفعل سيطرة الدولة الأمنية (المخابرات والجيش) على مقدرات الأمور.

3 مسائل
ويمكن تلخيص هذه العوامل في ثلاث: مسألة الهوية، والصراع الاجتماعي (الطبقي) والعلاقة مع ظاهرة العولمة بصفتها أحد المحددات الكبرى الجديدة ليس فقط للاقتصاد والسياسة، بل أيضاً للثقافة والفكر في كل دول العالم.
كل هذه العوامل مجتمعة كانت حاضرة خلال اندلاع الثورات. لكن الطريقة التي تفاعلت بها هذه العوامل في الشارع المنتفض، كانت غامضة إلى حد كبير ومتناقضة (تبعاً لتناقض القوى الاجتماعية التي تحملها) إلى حد أكبر.
فالقوى الإسلامية، مثلاً، اعتبرت أن هذه الثورات هي في الواقع انتفاضة الهوية على ما اعتبرته تهميشاً للإديولوجية الإسلامية ليس فقط مع الدولة الحديثة العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، بل أيضاً منذ انهيار الخلافة العثمانية العام 1924. وجاءت المكاسب الانتخابية الكاسحة التي حققتها هذه القوى في مصر وتونس، ولكن ايضاً في المغرب، لتؤكد لها صحة تحليلها، ولتركز كل جهودها بالتالي على بناء دولة إسلامية بأقصى سرعة ممكنة، مستفيدة من الدعم الأميركي لها.
بيد أن سنة واحدة من تجربة سلطة الإخوان في مصر، سرعان ما اثبتت خطل هذا التحليل. فقد تجاهلت كثرة واسعة من فئات المجتمع المصري جهود الإخوان لـ"أسلمة" الدولة والمجتمع تطبيقاً لشعار "الإسلام هو الحل"، ونزلت بكثافة إلى الشوارع في 30 حزيران/يونية ليس لإعلان رفض الهوية بل للتشديد على أولوية الشأن الاجتماعي، أو بالأحرى، صراع الطبقات، على ماعداه.
الأمر نفسه تكرر مع القوى العلمانية والقومية والوطنية (وإن بشكل أقل حدة بسبب ضعفها، من جهة، ولأنها ليست في السلطة، من جهة أخرى)، والتي أعطت الأولوية للحرية والديمقراطية، أي عملياً للهوية السياسية، فإذا بها تفاجأ بأن غالبية المجتمع تنحاز عملياً إلى ما هو ضد هذه الأخيرة، أي لصالح سلطة الدولة العميقة التس نشبت ثورة 25 يناير أصلاً ضدها، على اعتبار أنها قد تحقق ماقفزت عليه دولة الأخوان: الأمن والخبز. وقد اتخذ هذا التطور شكلاً ضبابياً من الوطنية المصرية المتطرفة المتمحورة حول الدولة (أياً يكن شكلها).
في تونس، كادت التطورات تصل إلى الحصيلة نفسها، لولا أن تدارك حزب النهضة الأمر وسارع إلى استيعاب الانتفاضات الشعبية المطلبية المحتملة، من خلال تقديم تنازلات سريعة في الدستور وفي العلاقة مع الاحزاب العلمانية على حساب الهوية والإديولوجيا.
جلاء الغموض
الآن، وقد اتضح أن الأولوية القصوى في المجتمعات العربية هي للشأن الاقتصادي- الاجتماعي، أي عملياً لصراع الطبقات، فإن العديد من قسمات الغموض التي أحاطت بهذه الثورات قد تنجلي. ولن يكون من العسير بعد الآن استطلاع ماقد تؤول إليه التطورات، على الأقل في بلدان الربيع العربي.
صحيح أن شعارات الديمقراطية والحريات لن تختفِ، وصحيح أن قوى الاسلام السياسي ستعيد في نهاية المطاف، وبعد أن تفيق من صدمة الخروج من جنة الحكم إلى جحيم السجون مجدداً، النظر في أسباب تناقض أولوياتها مع الأولويات الشعبية، كما حدث لأسلاميي أردوغان بعد سقوط تجربة أستاذهم أربكان العام 1997، إلا أن هذا لن ينفِ الحقيقة بأن الدولة الأمنية عادت بقوة إلى الساحة بدعم شعبي واضح.
فهل سيعني هذا "نهاية التاريخ" بالنسبة إلى أولوية الديمقراطية؟
(غدا نتابع)

سعد محيو