للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 30 أكتوبر، 2013

الانسحاب الأميركي "المستحيل" من الشرق الأوسط


- I  -
آخر مايمكن أن يوصف به تقرير سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي الأميركي، وفريقها حول "إعادة النظر في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط"، بأنه استراتيجية أميركية جديدة.
فكل ما جاء في التقرير، الذي نشرت نيويورك تايمز محاوره الرئيس، كان أساساً غطاء تنظيرياً لممارسة عملية كانت أوباما تنفذها منذ أشهر عدة، وتستند إلى منطلق يتيم: "النأي بالنفس" عن معظم قضايا الشرق الأوسط، وتقليص الالتزامات الأميركية في المنطقة، وتحويل التركيز الأميركي من حوض البحر المتوسط إلى حوض المحيط الهاديء.
إنه (التقرير)، بكلمات أخرى، "استراتيجية لاإستراتيجية" وإضفاء الطابع الرسمي على الانكفاء أو الانحسار Retrenchement)) الأميركي في الشرق الأوسط، بهدف تحويله إلى كتاب مفتوح برسم جميع القوى الإقليمية والدولية التي كانت لاتتساءل عما إذا كانت سياسة الانكفاء هذه أوبامية خاصة أم أميركية عامة.
وعلى أي حال، رايس نفسها لم تحاول إخفاء أو تمويه هذه الحقيقة، ولا أوباما نفسه في خطابه الشهر الماضي أمام الأمم المتحدة. فهما شددا على أن الأولويات الأميركية الجديدة هي التوصل إلى تسوية دبلوماسية للملف النووي الإيراني، وحل المسألة الفلسطينية- الإسرائيلية، ورفض استخدام القوة العسكرية إلا لمنع عرقلة تدفق النفط، ومكافحة الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
أما قضايا الحرية، التي تبناها أوباما قبل سنتين في اسطنبول والقاهرة معلناً في أيار/مايو 2011 بأن أميركا "ستدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والأسواق الحرة بكل امكانتها الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية"، فقد حلت مكانها الآن النزعة الواقعية والبراغماتية و"رفض أن يبتلع الشرق الأوسط كل أجندة السياسة الخارجية الأميركية"، على حد تعبير رايس التي أضافت: "هناك الآن عالم كامل (في آسيا)، ونحن لدينا مصالح وفرص في ذلك العالم الكامل".
- II  -
بعض المحللين شبّه هذه النقلة من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى (وبينهما الداخل الأميركي الذي يريد أوباما "إعادة بناء الأمة الأميركية" فيه)، بتلك التي قام بها الرئيس نيكسون في الستينيات، حين أغلق ملف الحروب الأميركية في الهند الصينية ويمم وجهه نحو الصين ليبرم معها "صفقة العصر" آنذاك.
وبالمثل، يضيف هؤلاء، يقوم أوباما الآن باستكمال إغلاق ملف الحروب في الشرق الأوسط، ويتجه نحو إيران وروسية لإبرام "صفقة كبرى" مماثلة لصفقة الصين.
بيد أن هذا التشبيه، وعلى رغم أنه صحيح في ما يتعلق بالنقلات، إلا أنه قد لايكون دقيقاً قي ما يتعلق بالمحصلات.
لماذا؟
لسببين رئيسين:
الأول أنه في الهند الصينية، كان في وسع الولايات المتحدة أن تحمل عصاها على كتفها وترحل، لأنه بعد سقوط سايغون لم يعد لها أي حليف في تلك المنطقة. أما في الشرق الأوسط، فحلفاء أميركا، من تركيا وإسرائيل إلى مصر والسعودية والأردن والمغرب، يمثلون قدراً كبيراً من المصالح والأمن القومي الأميركي. وبالتالي، إذا ما حاولت واشنطن إبرام صفقات منفردة مع إيران وروسيا والصين، فهؤلاء الحلفاء قادرون على زعزعة الإدارة في الداخل الأميركي نفسه كما في الساحة الدولية.
والثاني، أن طبيعة التغيرات الكبرى في دول المنطقة، من صعود الإسلام الجهادي وبروز قوة "الشارع السياسي" العربي و"تمرد" حلفاء أميركا عليها، إلى دخول الدول الكبرى كروسيا والصين والهند إلى العرين الشرق أوسطي بكل مايمتلكه من موارد الطاقة والمواقع الجيو- استراتيجية و"صدام الحضارات"، سيجعل من أي "تقهقر عشوائي أميركي في الشرق الأوسط نذيراً بتقهقر زعامتها في كل أنحاء العالم، بما في ذلك شرق آسيا نفسها.
- III  -
بالطبع، تستطيع إدارة أوباما أن تتجنب كل هذه الألغام، إذا مانجحت في جعل تقوقعها مدخلاً إلى إقامة نظام أمني إقليمي جديد في الشرق الأوسط على غرار النظام الإقليمي الأوروبي. لكن هل هذا ممكن أو وارد؟
ربما. لكن هذا يتطلب تركيزاً أميركياً ضخماً وكلياً على إيجاد حلول شاملة لأزمات المنطقة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لكي ينجح الانحسار يجب أن تنغمس إدارة أوباما في الشرق الاوسط أكثر. وهذا مالايبدو أنها فهمته حتى الآن. وحتى لو فهمت، فلن يسعفها لا الوقت (سنتان ونصف السنة على ماتبقى من ولاية أوباما) ولا الحلفاء المرعوبون من تقلباتها، ولا المفاجآت الكبرى في المنطقة، من تحقيق رغباتها التقوقعية.

سعد محيو
(*) المقال نشر أصلاً في جريدة "المدن" الالكترونية
___________________________



الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

اللهم لا نسألك رد القضاء..


- I -
هل ثمة حاجة للإثبات أن العالم، أو النظام العالمي، أو الجنس برمته، هو مشروع فاشل من ألفه إلى الياء؟ وليس الآن فقط بل منذ فجر التاريخ؟
لانعتقد. فمنذ أن اكتشف الإنسان أول أداة تكنولوجية، وهي العظمة المسننة التي مكّنته من من مد مخالبه وأنيابه عشرات الأمتار، إلى أن حوّل هذه العظمة إلى سفينة فضاء مدججة بأشعة اللايزر (كما في فيلم أوديسا الفضاء الشهير)، كانت الفطنة المادية تسيطر على الحكمة الروحية والعقلية. والحصيلة: تاريخ من الحروب الدموية المتصلة التي تخوضها مخلوقات مسها جنون وأمراض نفسية جماعية عضال، وبات تشبه إلى حد بعيد الفيروسات القاتلة التي تقتل بيئتها ومجالها الحيوي وأسس حياتها نفسها.
البشر كمشروع فاشل بات أمراً متفقاً عليه بين مروحة واسعة من الباحثين والأدباء والمفكرين، الذي أصبحوا مقتنعين بأن الحضارات البشرية كلها (عدا حفنة من القبائل البدائية المنقرضة التي كانت تعيش وفق قوانين "أفاتار")، ومعها التطور البشري، كانت برمتها خطأ تاريخياً وخطيئة بحق كوكب الأرض الذي تعتبر توافر ظروف الحياة فيه عملة نادرة في ما بين مليارات مليارات مجرات الكون.
كيف؟
- II -
فلنشر أولاً إلى أن دراسات السياسة عبر تشابكها مع علوم الحياة، هي فرع جديد من فروع العلوم، يستهدف تعميق فهمنا لتأثيرات ما يسمى " السلوكيات البيولوجية " البشرية والعوامل البيئية على مستقبل المجتمعات وتطورها.
أحد قباطنة هذا الفرع الجديد، البروفسور لينوتن كيث كالدويل، يرى أن المجتمعات البشرية الحديثة، وفي خضم إعادة تشكيلها للبيئة الطبيعية، فشلت في الأخذ بعين الإعتبار الاهمية الهائلة لمضاعفات عمليات التغيير هذه على ظروف الحياة على الأرض.
كتب، في دورية " السياسة وعلوم الحياة" : " البشر الحديثون حققوا بمساعدة العلم (والتكنولوجيا المستندة إلى هذا العلم) قدراً هائلاً من النجاح. لكنهم في الوقت نفسه، جعلوا الحياة نفسها مكشوفة أمام مخاطر ضخمة، وأحاطوا المستقبل بعلامات إستفهام وتعجب أضخم. وهكذا، فإن السلوكيات والإفتراضات التي خدمت الإنسانية لقرون طويلة، لم تعد مناسبة الان".
علماء إجتماع آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك. قالوا أن الفتوحات العلمية والتكنولوجية التي مكنّت البشر من إعادة تشكيل الطبيعة وتحقيق المستوى الراهن من الحضارة، لن تكون مجدية لأنقاذ الإنسانية. لماذا؟ لأن هذه الفتوحات دفعت هذه الأخيرة إلى القفز فوق المخاطر العميقة الكامنة في تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها قوانين الطبيعة حول حدود إستخداماتنا للبيئة.
طيلة عهود سحيقة فيما قبل التاريخ، عاش البشر داخل الأطر الطبيعية لتوازنات البيئة، مستفيدين من كرمها، ومتناغمين مع إيقاعاتها، ومتأقلمين مع سلبياتها. بيد أن البشر المحدثين يعيشون الأن في بيئة إصطناعية مخترعة، تطورت بأسرع مما تستطيع القدرات البيو- إنسانية  التأقلم معها. وهذا ما تسبب بالتوترات الشديدة التي يعيشها البشر الان على الصعد النفسية والإجتماعية والجسدية كافة.
 لقد أطاحت هذه التطورات بالمفاهيم والسلوكيات القديمة، وبات من الحاسم لبقاء الحياة والبشرية تطوير سلوكيات جديدة تستند إلى الآتي:
1- إعادة تكييف المعطيات السايكولوجية- البيولوجية البشرية ، ومعها البيئة الإصطناعية التي خلقها البشر، مع البيئة الطبيعية.
2- الإدراك بأن وضع النفس في مواجهة الديناميكيات الأساسية للطبيعة الكونية، لعبة خاسرة سلفاً. وكما قال فرانسيس بيكون عن حق: " لكي نستطيع إدارة الطبيعة، يجب أولاً إطاعتها".
3- ثم اخيراً الوعي بمسألة أخرى لا تقل أهمية: إذا أراد البشر ضمان مستقبل مستدام لحياتهم على هذا الكوكب، فعليهم وقف إندفاعهم نحو نمو اقتصادي لا محدود يجري في بيئة طبيعية محدودة، وأيضاً وقف إستخدام إنشطارات الذرة ليس فقط كأسلحة دمار شامل، بل حتى أيضاً كطاقة سلمية .
- III -

أين نحن من كل هذه التحديدات والتعريفات التي إستحدثتها دراسات " السياسة وعلوم الحياة "؟
في لا مكان!
فلا قوانين الطبيعة في مجال المناخ( على سبيل المثال) تحترم، على رغم كل التحذيرات من كوارث إحترار المناخ الذي يتسبّب به البشر. ولا الدعوات إلى وقف التلاعب بنوات الذرات تستجاب. العكس يحدث، وعلى كل المستويات، خاصة منها الان إندفاع 40 دولة لحيازة الأسلحة النووية بوصفها " أسلحة عادية أو تقليدية".
إنه الجنون وقد بدأ يدّمر صاحبه، والأنانية وقد باشرت قضم " أناها". إنه خطر " التدمير الذاتي" نفسه الذي وقع على رأٍس كل الحضارات البشرية السابقة في التاريخ، والتي نسفت نفسها عبر نسفها البيئة التي منها تعيش.
هل أمامنا مخرج ما من هذه المصير "غير المشرق"؟
أمر وحيد على ما يبدو: التضّرع إلى الله، لا  لنسأله رد القضاء بل  اللطف به.. بقدر الإمكان!

سعد محيو

___________________________
                       



الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

السعودية وأميركا-2: الملك عبد الله "في ثورة"، ولكن؟



- I -
لازلنا على أرض "الخناقة" السعودية- الأميركية. ولايزال السؤال هو السؤال: لماذا انفجرت الخلافات غير المسبوقة لافي تاريخ الدبلوماسية السعودية الأسطورية في مدى حذرها الباطني ولا في تاريخ التحالف القديم بين الرياض وواشنطن، على هذا النحو العنيف؟

المملك عيد الله وأوباما: نهاية الوفاق؟ (الصورة من غوغل


أشرنا في عدد الأمس من هذه الزاوية (اليوم، غدا-24-10-2013) إلى جملة عوامل فجّرت الغضب السعودي الحاد: من ازمة سورية والبحرين، إلى الانفتاح على إيران، وإن كان العامل الأهم، كما ألمعنا، هو ماتعتبره الرياض استمرار التحالف الخطر على أمن نظامها بين الأميركيين والإخوان المسلمين.
لكن، قد يكون هناك عامل آخر لم يأخذ حقه في التحليلات: شخصية الملك عبد الله نفسها، التي يبدو أنها تلعب بالفعل دوراً كبيراً في نقل الدبلوماسية السعودية من حالة الحذر التاريخي الشديد الذي يقترب من التقوقع، إلى وضعية المجابهة والجهر بكل مكنونات القلب حتى قبل العقل.
الملك له في هذا المجال صولات وجولات عدة. فهو صدم أحد مؤتمرات القمة العربية حين تصدى لحملات العقيد الراحل معمر القذافي ضد السعودية باتهامه بأنه وصل إلى السلطة على متن دبابة أميركية بإشراف السي. أي. آي. وحين تخلت واشنطن عن حليفيها "الأزليين" مبارك وبين علي، فاجأ عبد الله الجميع بتنديده علناً بما اعتبره " خيانة" للعقود بين الحلفاء، ووقف حتى اللحظة الأخيرة إلى جانب هذين الأخيرين في مواجهة واشنطن.
بالطبع، سلوكيات المملكة عموماً خلال السنتين الأخيرتين كانت أساساً جزءاً من الثورة المضادة التي شنّها معظم الملوك العرب المحافظون ضد ثورات الربيع العربي، تماما كنا فعل ملوك الحق المطلق الأوروبيون في القرن التاسع عشر حين تحالفوا (بعد مؤتمر فيينا 1815) ضد الحركات الثورية والتغييرية في كل القارة الأوروبية. وأيضاً تماماً كما فعلت المملكة نفسها في ستينيات وسبيعنيات القرن العشرين، حين شنت ثورة مضادة مماثلة ضد الحركة القومية العربية الثورية.
بيد أن المحابهة الراهنة للمملكة لها نكهة خاصة للغاية. نكهة شخصية في الواقع تطغى عليها بصمات الملك عبد الله، بما عُرِف عنه من شخصية واضحة ولاباطنية، ومن حساسية شديدة إزاء التنكر للوعود والمواثيق. هذا ناهيك عن أنه اشتهر أيضاً بنزعة قوية نحو عناصر الكرامة في الانتماء العربي.
- II -
كل هذه العوامل تلعب الآن على الأرجح دوراً مباشراً في إضفاء هذه الألوان القاتمة راهنا على العلاقات الأميركية - السعودية. وعلى رغم أن مواقف الملك تحظى بإعجاب شعبي عربي وسعودي، خاصة منها رفض عضوية مجلس الأمن والاستعداد لنقل "المعركة" حول سورية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنها قد تفرض على المملكة في وقت قريب تحديات قد تكون خطيرة.
الأدلة؟
صحيفة "فايننشال تايمز" الرزينة ربما عبّرت عن أبرزها ، في افتتاحيتها أمس، حين انتقدت بشدة مواقف السعودية ليس فقط في مجلس الأمن بل حتى أيضاً إزاء مصر وسورية وإيران واعتبرتها "غير عقلانية ولا تأخذ في الاعتبار لا مسألة الاستقرار في مصر والمنطقة، ولا رفض الرأيان العامان الأميركي والأوروبي الانجرار إلى أي حرب جديدة في الشرق الأوسط". لا بل أكثر: اعتبرت الصحيفة هذه المواقف بمثابة "تدمير ذاتي" للسعودية.
- III -

حتى الآن، لايزال الأميركيون، وبحماسة أكبر الأوروبيون، يضعون الأزمة السعودية - الأميركية في إطار المشاكل القابلة للاحتواء بين الحلفاء والأصدقاء، خاصة وأنه لا الرياض ولاواشنطن في وارد إنهاء تحالف استراتيجي مديد عمره نيفاً و68 سنة.
بيد أن الخطر هنا يكمن في احتمال بروز تيار داخل الإدارة الأميركية قد يعتبر أن الوقت ربما حان لتشجيع تحولات في رأس هرم القيادة السعودية، خاصة وأن معركة الخلافة مستعرة داخل الأسرة السعودية الكبيرة على نحو حاد منذ أن بدأت الوعكات الصحية تضرب الملك عبد الله.
وإذا ماحدث أن كانت لهذا التيار الأميركي اليد العليا، قد ترتدي معركة الخلافة أبعادَ معقدة جديدة، خاصة وأن الحاجة باتت ماسة داخل المملكة لإعادة بناء وتركيب الأسرة السعودية على أسس جديدة وفقاً لـ"ديمغرافيا" الأبناء والأحفاد الكثر الصاعدين.
- IIII -

هل أجبنا على سؤالنا الأولي عن أسباب الحدة في الخلافات السعودية- الأميركية، وعن مآل هذه الخلافات؟
ليس بعد؟
حسنا. ربما يكون مفيداً حينها انتظار ماستفعله الرياض في سورية، من احتمال دعم الثوار هناك بما يتجاوز" الخطوط الحمر" الأميركية الخاصة بالمعارضة، وماستدفع إليه في مصر من تشجيع الفريق السيسي على شهر سيف التحدي هو الآخر في وجه واشنطن.
وإذا ماحدث ذلك، ستكون شخصية الملك عبد قد حوّلت الغضب السعودي إلى سياسة، الأمر الذي قد يستتبع تحوّل تكتيكات التيار الأميركي الداعي إلى التغيير في السعودية إلى استراتيجية.
وهذا منبع الخطر الحالي المحتمل في المملكة.

سعد محيو


  

الخميس، 24 أكتوبر، 2013

السعودية وأميركا: ماذا بعد انفجار الخلافات؟


- I -
العلاقات السعودية- الاميركية في حالة انحدار. هذا أمر واضح. لكن، إلى أين يمكن أن يصل التدهور في العلاقات؟
عبد العزيز وروزفلت العام 1945: أين أصبح التحالف؟(الصورة من غوغل

يجب القول، أولاً، أن هذه قد تكون المرة الأولى في تاريخها التي تشهر فيه المملكة السعودية سيف التحدي على هذا النحو في وجه أميركا. صحيح أنها فرضت حظراً نفطياً على الغرب خلال حرب أوكتوبر 1973، إلا أن ذلك لم يكن تحدياً بقدر ما كان "شكوى" من الانحياز الاميركي المطلق إلى إسرائيل.
أما الآن فالتحدي يأخذ شكلاً مغايرا، يمتزج فيه الغضب بالخوف، والشك بالقلق، من مخططات الولايات المتحدة وتوجهاتها. وهذا ما أفرز حصيلة غير متوقعة على الإطلاق: تحوُّل المملكة العربية السعودية بين ليلة وضحاها من قوة أمر واقع تمارس أقصى درجات الحذر الدبلوماسي الأسطوري، إلى دولة "ثورية" ترفض عضوية مجلس الأمن (كما كان يفعل العقيد الراحل معمر القذافي)، وتحمل علناً بعنف على الحليف الأميركي، وتهدد (على لسان الأمير بندر بن سلطان) بإعادة النظر في مجمل العلاقات السعودية- الأميركية برمتها.
لماذا تتصرف الرياض على هذا النحو العنيف، إلى درجة دفعت صحيفة فايننشال تايمز الرزينة إلى تحذيرها من أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من التحوّل إلى "دولة مارقة" ( Rogu state
- II -
السبب أسباب عدة في الواقع، لكنها كلها تتمحور حول محفز واحد: القلق، كما قلنا، الذي يقترب من درجة الرعب من التحولات السريعة والعميقة في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
التراجع الأميركي عن ضرب سورية ومد عمر ولاية الرئيس الأسد، كان أحد هذه الأسباب. البحرين وعدم الدعم الأميركي المطلق للتدخل العسكري السعودي والخليجي فيها كان سبباً ثانيا. ثم جاء "الانفتاح" الاميركي الكبير والحماسي على الرئيس روحاني ليشكّل سببا ثالثاً غاية في الإقلاق.
بيد أن العامل الأهم وراء "الزعل" السعودي العنيف، كان تحفظ واشنطن على الانقلاب العسكري ضد حكم الإخوان في مصر، وقبلها على إطاحة الرئيس مبارك.
 لماذا؟
 لأن هذا التطور، وأكثر من أي عامل آخر، يثير مخاوف الأسرة الحاكمة السعودية من وجود مخططات أميركية لأحداث تغيير في النظام الإسلامي السعودي على يد قوة إسلام سياسي أخرى: الإخوان المسلمون.
 الملكيون السعوديون يمكن أن يغضبوا بسبب السياسات الأميركية في سورية والبحرين المناقضة لمصالحم، وأن يقلقوا من الحوار الأميركي- الإيراني، خاصة السّري منه. لكن مسألة استمرار التحالف الأميركي- الإخواني، هو بالنسبة إليهم بمثابة صندوق باندورا الذي تنطلق منه كل أنواع الشرور. إنه، بكلمات أخرى، الخطر الوجودي الأول على النظام، وكذلك على التحالف التاريخي بين أميركا والإسلام الوهابي الذي أرسته قمة الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت  في شباط فبراير/شباط 1945 على متن المدمرة الاميركية كوينسي.
نتذكر هنا أن جماعة الإخوان المسلمين منذ أن أسسّها حسن البنا العام 1928، كانت منظمة سياسية من ألفها إلى الياء. منظمة تعتبر أن الإديولوجيا الإسلامية بمثابة علاج سياسي للأمراض التي فتكت بالعالم الإسلامي طيلة القرون الماضية. وهي في خضم تبينها لهذا المبدأ، عمدت إلى دمج الفكر الغربي السياسي الحديث بالتقاليد الإسلامية، كما رضعت من ثقافة جيلين من الفكر السياسي الإسلامي في الحقبة الأخيرة من عهد الدولة العثمانية، ولم تر بالتالي تناقضاّ بين الحكم الإسلامي وبين المباديء الجمهورية والبرلمانية (ولاحقاً الديمقراطية والتعددية ولو على مستوى قيادات الجماعة).
في المقابل، كانت الطبعة السعودية من الإسلام تقوم على الفكر السلفي اللاسياسي، الذي يُعطي قيصر السعودي السلطة السياسية، ويخوِّل آل الشيخ وأتباعهم التصرُّف بما لله: السلطة الدينية وأحوال الآخرة، شريطة ألا يتدخلوا بشؤون الدنيا.
هذا الشرخ الإديولوجي- السياسي  بين الطرفين ظل نائماً عقوداً طويلة بفعل عاملين إثنين:
الأول، زواج المصلحة الذي أبرمه الإخوان والسعوديون غداة بروز حركة القومية العربية العلمانية واليسارية منذ مطلع الخمسينيات بقيادة جمال عبد الناصر، والذي دفعهم إلى شن حرب مشتركة ضدها وهم يرفعون رايات الإسلام السياسي. وهكذا، وجد قادة الإخوان المصريين ملاذاً آمناً وخزينة مالية وفيرة لهم في المملكة، فيما اكتشفت فيهم هذه الأخيرة كنزاً  أحسنت استخدامه في حربها العامة ضد القومية العربية العلمانية.
والثاني، نجاح الرياض في احتواء الإخوان المسلمين غداة هزيمة حرب 1967، من خلال تحالفها مع الأنظمة الجديدة التي برزت في مصر (حسني مبارك) وسوريا (حافظ الأسد) وتونس (زين العابدين بن علي) والأردن (الملك حسين) والتي جهدت لإبقاء حركات الإخوان داخل القفص.
الأخوان المسلمون لم يردّوا مباشرة حين انتقلت علاقتهم مع السعودية من التحالف إلى الاحتواء. لكن بعض أجنحتم كانت تفعل ماهي أكثر بكثير من الرد: اختراق السلفية الوهابية نفسها.
حدث هذا أساساً في أفغانستان، حين قام القائد الإخواني البارز عبد الله عزام وبعده أيمن الظواهري بجذب المقاتلين السلفيين السعوديين، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، إلى إديولوجيا سيد قطب الجهادية، الأمر الذي خلق أزمة شرعية كبرى في المملكة طيلة حقبة التسعينيات أنحى فيها السعوديون باللائمة على "القطبيين والإخوانيين" كما أسموهم.
والآن، وبعد أن بات واضحاً أن الربيع العربي كانت له قسمات إخوانية فاقعة في مصر وتونس والمغرب وسورية (والعد مستمر)، كان على القادة السعوديين مواجهة المقلب الآخر من التحدي الإخواني: الطبعة الليبرالية والديمقراطية المُفترضة من الإسلام.
وهذا مايفعلونه بقوة الآن، عبر دعم الانقلاب المصري على الأخوان بكل أنواع الأسلحة.

- III -

إلى أين يمكن أن تصل "الانتفاضة" السعودية ضد واشنطن؟
ليس بعيدا. المملكة قد تعمل الآن على تنويع علاقاتها الخارجية، وحتى على إبرام بعض صفقات الأسلحة مع روسيا والصين وأوروبا، لكنها لن تكون قادرة على التخلي عن مظلة الحماية الأمنية والاستراتيجية الأميركية، لا الآن ولا بعد عقد أو عقدين.
هذا لايعني أن علاقات أميركا وحلفائها الشرق أوسطيين لن تشهد تغيرات وتبدلات، خاصة مع تغيّر وتبدل الأولويات القومية الأميركية، من الشرق الأوسط إلى الشرق الآسيوي، ومن الخارج العالمي إلى الداخل الأميركي. لكنها تغيرات لن تؤدي إلى انقلاب في التحالفات، طالما لم تبرز على الساحة الدولة قوى عظمى جديدة مستعدة للجلوس مكان القوة العظمى الأميركية على عرض الزعامة العالمية.
والسعودية، التي تعرف ذلك جيداً، ستواصل رفع الصوت احتجاجاً على السياسات الأميركية الجديدة، لكنها ستفعل ذلك من داخل كبينات سفينة القيادة الاميركية وليس من خارجها.

سعد محيو


________________________________

الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

هل يتكرر نموذج مؤتمر فيينا 1815 في الشرق الأوسط؟



أجل. أميركا في حالة انحدار نسبي. لكن هذا لايعود إلى صعود الصين والهند والبرازيل وبقية سرب النمور، بل إلى أوضاع الولايات المتحدة الداخلية، على الصعيدين السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي.
فآسيا الصاعدة لاتزال في حاجة إلى سنوات عدة كي تصل إلى موازنة القوة الأميركية عسكرياً واقتصاديا. وكما هو معروف في التاريخ، فإن انحدار قوة عظمى لايؤدي بالضرورة إلى زوالها من الوجود، إلا إذا مابرزت قوة أو قوى أخرى قادرة على الحلول مكانها. وهذا مالايبدو حالياً في أي أفق قريب، أو على الأقل خلال عقدين أو ثلاثة عقود من الآن.
هذا التمييز بين التراجع والانسحاب ضروري كي لانقع في استنتاجات متسرّعة لطالما تكررت خلال نصف القرن المنصرم حول نهاية الباكس أميركانا في العالم. صحيح، كما يقول الباحث مايكل هدسون، أن العالم يشهد تحولات ضخمة في موازين القوى بسبب صعود القوى الكبرى الآسيوية الثلاث (الصين والهند واليابان) معاً للمرة الأولى في التاريخ، إلا أن الصحيح أيضاً أن أياً منها أو حتى كلها مجتمعة لاتطمح، ولاهي قادرة، على الحلول مكان الزعامة الأميركية في العالم في المرحلة الراهنة.
أوباما والشرق الأوسط
الآن، وطالما أن الصورة على هذا النحو، كيف نفسّر مانرى من انحسار أميركي حقيقي وكبير في الشرق الأوسط، تجلى أكثر ماتجلى في تراجع الرئيس أوباما عن حماية خطوطه الحمر في سورية، وخطوطه الزرق (الديمقراطية) في مصر وتونس وحتى في منطقة الخليج، ثم عن خطوطه البيضاء (السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين)؟ أليس كل ذلك دليلاً على الانحدار التاريخي الأميركي؟
كلا! أو ليس بعد على الأقل.
فالتراجع ( Retrenchment) أو تقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، ناجم عن جملة عوامل تتعلق كلها بقيام إدارة أوباما منذ سنوات خمس بإعادة رسم الأولويات الأميركية في العالم، وليس بالتخلي عن زعامة هذا العالم. لا بل الهدف هو تعزيز وتقوية هذه الزعامة.
الخبيران الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأميركية شون بريملي وإيلي راتنر يلخصان هذه الأولولات الجديدة بالنقاط الرئيسة التالية:
- أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعتا الولايات المتحدة من تركيز الموارد في آسيا التي تعتبر منطقة مركزية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. وهذا دفعه إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والاعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.
- هذا التوجه الجديد لايقتصر على الجوانب العسكرية بل يطال أيضاً المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (التوجه) يهدف إلى التركيز على الأهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي بوصفه الطريق الرئيس للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان جنوب ووسط آسيا.
- واشنطن لاتسعى إلى حفز دول كفيتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي- الصيني وحوار الأمن الاستراتيجي. والواقع أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الانخراط الأميركي الإيجابي مع بجبينغ  أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
- في حقبة التقشف المالي الذي تمر به الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك خفض الالتزامات الاميركية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل استراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند ان تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي على مستويات متوافقة مع إمكاناتها.
هذه هي قواعد الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بتطبيقها. وهي، كما هو واضح، تتكوّن من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والالتزامات الأميركية في الخارج.
وهذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأميركية، قوامها الضبط الاقتصادي "القومي" في الداخل، وخفض الالتزامات (والحروب) الأميركية في الخارج، وإعادة تركيب نظام العولمة الأميركي بما يخدم هدفين في آن: احتواء صعود الصين، ومواصلة  ترسيخ الزعامة الأميركية على العالم.
الاستدارة والشرق الأوسط
لكن ما تأثيرات سياسة "الاستدارة" الأميركية(Pivot ) نحو آسيا على توجهات واشنطن في الشرق الأوسط؟
الواقع أن الولايات المتحدة تعتبر أصلاً أن منح الأولوية في سياستها الخارجية لمنطقة آسيا-الباسيفيك، فرض عليها سحب كل قواتها من العراق وأفغانستان وإغلاق ملف الحرب فيهما التي استنزفت الخزينة الأميركية بمبلغ تجاوز التريليوني دولار.
وبالطبع، حين تقرر واشنطن الانسحاب من هاتين الحربين ونقل الموارد منهما إلى منطقة الباسيفيك، لايتوقعن منها أن تنغمس في وقت قريب في حروب أو نزاعات أخرى في الشرق الأوسط، إلا إذا ما تطلّب الأمن القومي ذلك أو تعرَّض وجود إسرائيل أو المصالح النفطية إلى تهديد جدي.
وهذا بالتحديد، على أي حال، ما فعلته إدارة أوباما خلال السنتين الماضيتين:
-  فهي لم تلعب في حرب إسقاط القذافي سوى دور داعم لفرنسا وبريطانيا. لا بل لم تتدخل عسكرياً هناك، إلا بعد أن بدا واضحاً أن حليفتيها غير قادرتين على حسم الأمور بمفردهما.
- وهي رفضت التدخل ضد الجهاديين الإسلاميين في مالي، وقذفت العبء كله على الطرف الذي له أكبر المصالح في الموارد الطبيعية لمنطقة الساحل الإفريقية: فرنسا.
- ثم أنها (الإدارة) قاومت كل الضغوط التي مارستها عليها كل المؤسسات الأميركية تقريباً، من البنتاغون إلى السي.أي. آي ووزارة الخارجية، لتزويد بعض أطراف المعارضة السورية بالأسلحة المتطورة، خوفاً من أن يقودها ذلك إلى التورط بالتدريج في الأزمة السورية.
باراك أوباما بعد العراق وأفغانستان، يفعل تماماً مافعله ريتشارد نيكسون بعد فيتنام، حين عمد هذا الأخير إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية المباشرة في العديد من بقاع العالم و"لزّمها" إلى قوى إقليمية موالية للولايات المتحدة شاه إيران وإسرائيل في الشرق الأوسط، والبرازيل في أميركا اللاتينية، وتركيا في البلقان وآسيا الوسطى، وحلف الأطلسي في أوروبا، وجنوب إفريقيا والمغرب في القارة السمراء.
والأن يُتوقع أن يفعل أوباما الأمر نفسه في الشرق الأوسط، الذي كان محور الاهتمامات المركزية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة العام 1991. فهو سيعتمد أكثر فأكثر على تركيا في منطقتي الشرق الإسلامي (الدول العربية ودول آسيا الوسطى)؛ وسيكون مهتماً أكثر من أي وقت مضى بدمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية من خلال دفعها إلى التحالف مع الدول العربية و(مجدداً) مع تركيا؛ وسيواصل العمل على "تفليس" إيران وتجويعها بهدف دفعها في نهاية المطاف إلى الجثو على ركبيتها، أو التعرُّض إلى الانفجار من داخلها، في حال لم تتوصل المفاوضات الراهنة معها إلى "صفقة كبرى" جديدة.
وكل ذلك بهدف تقليص الأعباء الأميركية في هذه المنطقة، ونقل الموارد الضخمة التي خصصت لها في السابق إلى منطقة آسيا- الباسيفيك وإلى الداخل الأميركي.
بالطبع، هذا لايعني أن أميركا ستدير الظهر للشرق الأوسط. فطالما أن هناك قطرة نفط واحدة هناك، ستبقى هذه المنطقة، كأمن قومي أميركي، على رأس الأولويات الأميركية، بسبب الدور الكبير للنفط في تحديد من سيكون الأقدر على الإمساك بقارة أوراسيا من عنقها.(ومن يمسك بهذه القارة يحكم العالم).
وبالمثل، طالما أن إسرائيل باقية على خريطة الشرق الأوسط، ستكون إي إدارة أميركية ملزمة بالاهتمام بهذه المنطقة لاعتبارات محلية أميركية، واستراتيجية عامة، وأمنية.
لكن هذه الاستمرارية في الاهتمام لن تعني أنه لن يكون هناك تلاويين جديدة في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، خاصة في مايتعلق بمنطقة الخليج العربي.
فعلى رغم أن أميركا ستبقى اللاعب الإقليمي الرئيس في الخليج، إلا أنها ستكون حريصة على ألا تتوسع مظلتها الأمنية ضد الخصوم الخارجيين الذين يهددون دول المنطقة لتصبح تورطاً غير مرغوب فيه في النزاعات الداخلية التي قد تنشب في هذه الدول.
البحرين نموذج أوّلي على هذا التطور. فعلى رغم أن واشنطن لم تقف علناً إلى جانب الانتفاضة الشعبية البحريينية، إلا أنها لم تقف أيضاً إلى جانب الحل الأمني- المخابراتي الذي تبنَّته الحكومتان البحرينية والسعودية، وواصلت المطالبة بحل سياسي للأزمة. وهذا موقف لم يكن متصوراً من جانب واشنطن.
فيينا 1815 جديدة
هذه المعطيات مجتمعة تشي بأن الولايات المتحدة ربما تكون راغبة بالفعل في وضع ترتيبات جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تحفظ مكانتها فيها كقوة عظمى مهيمنة، من جهة، وتسهل عليها نقل الموارد إلى كلٍ من الداخل الأميركي ومنطقة الباسيفيك، من ناحية أخرى.
لكن، هل تصل مثل هذه الترتيبات المفترضة إلى مستوى مؤتمر فيينا الأوروبي العام 1815؟
للتذكير: مؤتمر فيينا الذي ترأسه رجل الدولة النمساوي ميترنيخ. عقد في الفترة من أيلول/سبتمبر 1814 إلى حزيران/يونيو 1815 وكان هدفه تسوية العديد من القضايا الناشئة عن حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة. أسفر هذا المؤتمر عن إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة، وعن إنشاء مناطق نفوذ لكل من فرنسا والنمسا وروسيا وبريطانيا تتوسط فيها تلك الدول في حل المشاكل المحلية والإقليمية. وكان مؤتمر فيينا نموذجاً لعصبة الأمم والأمم المتحدة بسبب هدفها في إحلال السلام من جانب جميع الأطراف.
الكاتب الأميركي في واشنطن بوست ديفيد أغناتيوس كان أول من توقَّع أن تدفع الولايات المتحدة نحو عقد مثل هذا المؤتمر "بهدف العمل على إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط"، على حد تعبيره، إنطلاقاً من المفاوضات الراهنة بين إيران والغرب.
لا بل هو ذهب أبعد من ذلك حين طالب السعودية بـ"التخلي عن هوسها بالهلال الشيعي، في مقابل تخلي إيران عن طموحاتها الثورية". كما طالب الرئيس أوباما بدعوة قادة حلفاء أميركا في الشرق الأوسط، تركيا والسعودية ودولة الإمارات ومصر وإٍسرائيل، إلى مؤتمر قمة في كامب ديفيد لمناقشة هذا المشروع الإقليمي الجديد.
لكن، هل هذه الفكرة الكبرى قابلة حقاً للتنفيذ؟
إذا ما عدنا إلى مؤتمر فيينا، سنتذكر أن هذا اللقاء، الذي كان الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الدولية، لم ينعقد سوى بعد هزيمة النزعة التوسعية الفرنسية التي خلّفت دماراً شاملاً في القارة الأوروبية.
فهل وصلت قوى الأمر الواقع في الشرق الأوسط (أميركا وإسرائيل) والقوى الثورية المراجعة (إيران ومعها من وراء الكواليس روسيا والصين) إلى القناعة بأن نزعتها التوسعية فشلت وبات عليها بالتالي البحث عن وفاق إقليمي- دولي جديد للمنطقة شبيه بوفاق فيينا؟
سيبين الخيط الابيض من الأسود في هذا الأمر في المفاوضات الأميركية- الأيرانية، سواء السرية منها أو العلنية، والتي ستتكثف فيها أدوار كل اللاعبين الدوليين المعنيين بالمنطقة، من روسيا والصين إلى الاتحاد الأوروبي.
لكن، يمكن القول من الآن أن العقبات تبدو كأداء أمام هذا المشروع الضخم لتأسيس نظام إقليمي شرق أوسطي جديد يحل مكان كلٍ من النظام الإقليمي العربي الذي انهار بعد حربي 1967 والكويت، والذي تأسس أصلاً على النظام الإقليمي البريطاني- الفرنسي مع سايكس وبيكو.
إذ أنه ( المشروع) يجب أن يحل أولاً المسألة النووية في كل المنطقة وليس فقط في إيران، (أي تسوية قضية الأسلحة النووية الإسرائيلية)، ويسوي القضية الفلسطينية العالقة منذ قرن، ويرضي حلفاء أميركا الواجفين من أي "مساومة كبرى" بين واشنطن وطهران (تركيا، السعودية، إسرائيل، مصر). وفوق هذا وذاك، سيكون على المشروع نيل موافقة صقور الكونغرس الأميركي واليهود الليكوديين في الولايات المتحدة وإسرائيل ونسور الحرس الثوري الإيراني، ومباركة روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
حتى الآن، لم يتحدث أي مسؤول أميركي عن مؤتمر فيينا الشرق أوسطي هذا. لكن مجرد تغيّر أولويات أميركا على هذا النحو الجذري ورغبتها في مشاركة أطراف دولية وإقليمية منافسة لها في حل أزمات المنطقة (كما حدث في سورية)، يعني أن الأبواب باتت مفتوحة بالفعل أمام بدء التفكير (وربما العمل) على ترتيبات إقليمية- دولية جديدة في الشرق الأوسط.
قد لايحدث ذلك اليوم أو غدا، لكنه سيحدث حتماً إذا مابقيت الأولويات الأميركية الجديدة على حالها ولم تتغير مع أي إدارة أميركية أخرى، لأن بديلها سيكون تنافس قاتل بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى على ملء ما ستعتبره فراغاً أميركياً في الشرق الأوسط.

سعد محيو


الاثنين، 21 أكتوبر، 2013

أميركا والعالم: عزلة وانحسار أم إعادة تموضع؟


"الولايات المتحدة خسرت للتو آلاف الأرواح الأميركية في أرض بعيدة من أجل نصر يبدو الآن فارغاً، هذا إذا كان بالامكان أسلاً تسميته نصرا. علاوة على ذلك، بلادنا تخرج من ركود وهي متدهورة المعنويات ومستغرقة في شأنها الداخلي، وقلقة من هشاشة الشفاء الاقتصادي ومن حالة ديمقراطيتها. المثالية تبدو عملة نادرة. وبالتالي، وحين تطل في الأفق حرب بعيدة يمتنع الأميركيون عن الانحياز إلى أي جانب، حتى ولو كان ذلك ضد ديكتاتور لايرحم، وحتى لو اقتصر الأمر على مجرد إرسال الأسلحة. والأصوات المعارضة للانخراط تتراوح بين اليسار المسالم واليمين الشعبوي. والرئيس، الذي يخشى أن يقوّض الصراع الخارحي أجندته المحلية، يتأرجح كالبندول في مواقفه".
هكذا تحدث الكاتب الأميركي لاين أولسون. لكن عمن كان يتكلم؟ عن النصر الأميركي الفارغ في العراق وأفغانستان، وعن رفض أميركا التحرك ضد بشار الأسد، أو عن رفض أوباما التدخل في الشرق الأوسط خوفاً على برامجه الداخلية؟
لا هذا ولا ذاك. الكاتي كان يتحدث عن أوضاع أميركا العام 1940، حين كان الرئيس روزفلت يتقلب كل يوم في مواقفه إزاء ألمانيا النازية، كما يفعل الآن أوباما في سياسته الخارجية، وحين كانت أميركا تعيش حالة عزلة عميقة غداة اشتراكها في الحرب العالمية الأولى.
مناخ العزلة نفسه الآن يجتاح أميركا، لكنه وعلى عكس الأربعينيات يترافق هذه المرة مع سؤال كبير: هل بدأ انحدار أميركا عن عرش القوة العظمى، وهل ما نراه الآن من تقوقع وانحسار ( Retrenchment) في السياسة الخارجية الأميركية، خاصة في الشرق الأوسط، هي علائم على هذا الطريق الانحداري.
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، فلنستعرض معا ما يقوله كلٌ من أنصار تبار العزلة والتقوقع وأنصار مواصلة الانخراط الأميركي في العالم.

الجدل الساخن لايزال ساخناً في الولايات المتحدة منذ سنتين حول الوسيلة الأنجع للحفاظ على الزعامة العالمية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وهو جدل يدور بين معسكرين رئيسيين إثنين:
الأول، يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية في العالم إلى حد كبير، والتركيز بدلاً من ذلك على "بناء الأمة" في الداخل الأميركي وعلى تطوير الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم والصحة وسد الفجوة الهائلة التي تزداد اتساعا بين الفقراء والاغنياء.
والثاني، يطالب بإبقاء الاستراتيجية الكبرى الراهنة القائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الحفاظ على النظام الليبرالي الدولي الراهن بقوة السلاح الأميركي، ويحذَر من أن التخلي عن هذه الاستراتيجية والتقوقع في الداخل سيعنيان نهاية الدولار كعملة احتياط عالمية ومعه البحبوحة الأقتصادية الأميركية.
المقاربة التي يُطل بها أنصار الخيار الأول الإنسحابي على إقليم الشرق الأوسط، وفي القلب منها منطقة الخليج، تعزز في الواقع الانطباع بأنه مالم تعمد الأنظمة والأسر الحاكمة في الشرق الأوسط إلى إحداث إصلاحات سياسية شاملة في ممالكها وإماراتها وجمهورياتها، فإنها ستضع نفسها (وربما أوطانها أيضاً) في خطر ماحق، ولن يقدم الغرب على انقاذها.
ماذا يقول أنصار هذا المعسكر؟
أحد أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا. وهو نشر مؤخراً في دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليج على سبيل المثال:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي"، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- على سبيل المثال، تعاني البحرين من قلاقل داخلية كبيرة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول قابلية استمرار الوجود العسكري الأميركي المتنامي هناك. وقد أثبت العراق أن محاولة تنصيب أنظمة جديدة في البلدان العربية أمر مخطيء من ألفه إلى الياء. وبالتأكيد، الدفاع عن أنظمة قائمة تواجه ثورة داخلية لن يكون أسهل بأي حال.
نص واضح؟
يفترض ذلك. وهو يجب أن يدق أجراس إنذار قوية لدى كل الأنظمة الملكية التي لاتزال تراهن على أن الغرب يمكن أن يحافظ على الصفقة التي عقدها مع الإسلام السياسي الخليجي منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم كل إنقلابات الربيع العربي.
قد يقال هنا أن باري بوسن ليس سوى صوت واحد من جمهرة أصوات في أميركا ترفض الفصل بين الصفقة الأمنية وبين التحالف السياسي بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
وهذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا الصوت المنفرد بات يصبح له أنصار كثر، خاصة وأن منطقة الخليج تمتص 15 في المئة من إجمالي النفقات العسكرية الأميركية المكلفة في العالم. كما أنه يندرج ضمن إطار تطورين إثنين:
الأول، قيام أميركا بقلب نوعية تحالفتها مع حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، من خلال تبينها للقوى الإسلامية التي تعانق شروط العولمة الليبرالية (النماذج التركية والإندونيسية والماليزية.. ألخ).
والثاني، أن الاستراتيجية الكبرى الأميركية في العالم تمر هي الأخرى في مرحلة مخاض وتطوير وتبديل، بفعل تحوّل السلطة الاقتصادية والتجارية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهاديء، وهو مخاض لابد أن يترك تأثيرات جلى على منطقة الشرق الأوسط ومركزها الخليجي.
المنطق الانسحابي
نعود الآن إلى وجهة نظر "المعسكر الانسحابي" الأميركي لنتساءل: ما المرتكزات الفكرية - الاستراتيجية لهذا المعسكر؟
يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- استراتيجية الهيمنة الليبرالية الشاملة على العالم غير منضبطة، ومكلفة، ودموية، وهي تخلق أعداء بالقدر نفسه الذي تقتلهم فيه. كما أنها تثبط عزيمة ورغبة الحلفاء في تحمُّل أكلاف الدفاع عن أنفسهم، كما تحفز الدول القومية الأخرى على التجمع في جبهة واحدة ضد أميركا.
- على رغم أن القوة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة انخفضت إلى حد كبير خلال العقد الماضي، إلا أن البنتاغون لايزال يحصد الأموال الطائلة والاعتمادات الهائلة. وهذا أمر لم يعد قابلاً الآن للاستمرار، لأنه يضع الولايات المتحدة تحت رحمة خطر التمدد الاستراتيجي الزائد الذي كان العامل الرئيس في تقويض كل الامبراطوريات السابقة في التاريخ.
- آن الأوان للتخلي عن استراتيجية الهيمنة الأميركية واستبدالها باستراتيجية ضبط النفس. وهذا يعني التخلي عن السعي وراء الإصلاح العالمي والاكتفاء بالعمل على حماية المصالح القومية الأميركية الضيقة، وكذلك تقليص عديد وعتاد الجيش الأميركي والتخلي عن بعض القواعد العسكرية في أنحاء العالم، وتحميل الحلفاء أكلاف الدفاع عن أنفسهم.
هذه الاستراتيجية البديلة المنضبطة، التي لاتعني بالضرورة عودة الولايات المتحدة إلى عزلتها التاريخية، يجب أن تستند فقط إلى ثلاثة ركائز لاغير:
أولاً، منع بروز منافس قوي يقلب موازين القوى العالمية الراهنة. وهذا، على أي حال، ماكانت تفعله الولايات المتحدة منذ قرن من الزمن وحتى الآن. فالاستراتيجيون الأميركيون جهدوا كي يضمنوا بألا تسيطر دولة واحدة على الكتلة البرية لقارة أوراسيا، لأن هذه الدولة ستمتلك حينئذ الموارد الكافية لتشكِّل خطراً على أميركا. وهكذا فقد خاضت الولايات المتحدة حرباَ ساخنة مع ألمانيا واليابان واخرى باردة مع الاتحاد السوفييتي لمنعها من أن تكون هي هذا الخطر. لكن، على رغم أن الصين قد تحاول لعب دور المهمين في أوراسيا، إلا أن هذا ليس وشيكاً ولا هو حتى حتمي.
ثانيا، مواصلة القتال ضد الإرهابيين. يتعيّن على الولايات المتحدة أن تحمي نفسها من تنظيم القاعدة وأشباهه. لكن هؤلاء ضعفاء للغاية ولا يشكلون أي تهديد لسيادة أميركا ووحدة أراضيها أو مواقع قوتها. وبالتالي، تستطيع أميركا ان تقاتلهم بقوة متكافئة لقوتهم وليس بشن الحروب أو بالعمل على بناء الأمم كما يحدث الآن في أفغانستان. وهذا يمكن ان يتم من خلال تكثيف العمل الاستخباري، ومطاردة الإرهابيين في الخارج، ومواصلة التعاون مع الحكومات الضعيفة الأخرى ودعمها بالتدريب والتسليح، إضافة إلى شن العمليات الخاصة وغارات الدرون (الطائرات من دون طيار).
ثالثا، وأخيرا، يجب على الاستراتيجية المنضبطة أن تهتم عن كثب بمنع انتشار الأسلحة النووية، لكن مع الاعتماد بشكل أقل على التهديد باستخدام القوة العسكرية لمنع هذا الانتشار، وبشكل أكبر على الردع، إلا إذا ماتطلب الأمر هجوماً عسكرياً وقائيا.
دعوة للتواضع
هكذا يرى أنصار الاستراتيجية المنضبطة إلى الدور الأميركي في العالم. وكما هو واضح، ليست هذه الرؤية إعادة إنتاج للنزعة الانعزالية الأميركية التاريخية، بل هي دعوة تنطلق من القلق من أن إمكانات أميركا الاقتصادية لم تعد متطابقة مع طموحاتها الاستراتيجية التي باتت تنافسها عليها قوى أخرى دولية صاعدة.
وهذا رأي اعترف به تقرير "الاتجاهات العالمية 2030" الذي وضعته 16 وكالة مخابرات أميركية وجاء فيه أنه "مع الصعود السريع لبلدان أخرى، فأن "لحظة القطبية الوحيدة" الأميركي قد ولَّت، كما أن الباكس أميركانا، وهي الحقبة التي شهدت الصعود الأميركي إلى قمرة القيادة العالمية غداة الحرب العالمية الثانية، يتبدد سريعا".
كما يؤيد هذا الرأي أيضاً الحقيقة بأن السلطة العالمية باتت تتوزع الآن بين قوى صاعدة جديدة، جنباً إلى جنب مع القوة الأميركية. وهذه القوى لاتوجد فقط في مجموعة "البريكس" (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا) بل أيضاً في مجموعة "المينت" ( المكسيك، إندونيسيا، نيجيريا، وتركيا).
وبالتالي، سيكون على الولايات المتحدة برأي أنصار الاستراتيجية المنضبطة، أن تتراجع الآن إلى مواقع جديدة أكثر تواضعاً وواقعية، وإلا  ستُجبر بعد حين على التأقلم فجأة وبشكل مؤلم وكارثي، وخطير (على حد تعبير البروفسور باري بوسن، مدير دراسات الأمن في مؤسسة ماسشوستس للتكنولوجيا).
معسكر الهيمنة
ماذا الأن عن منطق المعسكر الآخر المتمسك بمواصلة استراتيجية "الهمينة الليبرالية" الأميركية على العالم؟
وجهة نظر هذا التيار تقوم على التالي:
- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية كبرى واحدة: الانخراط العميق في شؤون العالم. فمن أجل حماية أمنها وبحبوحتها، بنت أميركا نظاماً اقتصادياً عالمياً ليبرالياً، وأقامت روابط دفاع وثيقة مع شركاء في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط. وهذا توجُّه التزم به كل الرؤساء الأميركيون بلا استثناء.
- لكن الآن، قد تشعر واشنطن بإغراء للتخلي عن هذه الاستراتيجية الكبرى وتنسحب من العالم، بفعل صعود الصين والعجوزات الضخمة في الموازنة والتعب من الحربين المكلفتين في العراق وأفغانستان. لكن هذا سيكون خطأ فادحا: فخفض النفقات الدفاعية على مدى عشر سنوات لن يوفّر على الخزينة سوى 900 مليار دولار. ثم أن ضخامة القوة العسكرية الأميركية منعت بروز أي دولة كبرى تطمح إلى موازنتها، وهي قوة لاتكلف أميركا سوى 4،5 بالمئة من الانتاج المحلي الإجمالي، هذا في حين أن الاتحاد السوفيييتي كان يصرف على الدفاع 25 في المئة من الانتاج المحلي الإجمالي، الأمر الذي أدى إلى إفلاسه ومن ثم انهياره.
- من دون استمرار الزعامة العالمية الأميركية، ستتحول العديد من الدول، منها كوريا الجنوبية وتايوان واليابان في آسيا ومصر والسعودية وتركيا في الشرق الأوسط إلى قوى نووية، وسيصبح الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن الدفاع عن نفسه في مواجهة روسيا والشرق الإسلامي.
- لكن الأهم من كل هذه العوامل، برأي أنصار استمرار الهيمنة الليبرالية الأميركية، هو الرابط الوثيق بين السيطرة العسكرية لأميركا وبين هيمنتها الاقتصادية.
فالاستراتيجية الاميركية الراهنة تحافظ على النظام الاقتصادي العالمي الذي أقامته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية والذي يخدم إلى حد كبير مصالحها الاقتصادية القومية. وهكذا فإن السيطرة العسكرية هي في أساس الزعامة الاقتصادية الأميركية للعالم. وفي حال سحبت اميركا وجودها العسكري من معظم المناطق، فسيكون من الصعب عليها للغاية إقناع القوى الدولية الأخرى برعاية المصالح الاقتصادية الاميركية. والحال أن الدور العالمي يسمح لأميركا أن تشكّل الاقتصاد العالمي كما ترغب وتشتهي، ويساعدها على الدفاع عن الدولار كعملة الاحتياط الرئيسة في العالم، الأمر الذي يوفَّر للبلاد مزايا ضخمة على رأسها قدرتها على استدانة المال بسهولة.
- كل هذا لايعني أنه لا يمكن، أو يجب، تعديل الاستراتيجية الكبرى كلما تطلبت الظروف ذلك. وهذا، على أي حال، مافعله الرئيس نيكسون مثلاً حين سحب اميركا من فييتنام وعوّض عن ذلك بضم الصين إليه في معركته ضد الاتحاد السوفييتي. وهذا يوضح ان التعديل ممكن من دون المس بجوهر الاستراتيجية الكبرى الخاصة بالزعامة الأميركية للعالم.
مبدأ أوباما
هذه باختصار الخلاصات العامة للتيار الأميركي الداعي إلى عدم تقليص الالتزامات الأميركية في العالم، وإلى مواصلة استراتيجية ما يسمونه "الهيمنة الليبرالية".
وكما يتضح من هذه المعطيات، منطق هذا التيار يبدأ وينتهي بفكرة رئيسة واحدة: استمرار الازدهار الاقتصادي الأميركي لم يعد ممكناً من دون استمرار الهيمنة العسكرية الأميركية على العالم: اسحب القوات والالتزامات الأمنية لحلفاء أميركا، تنهار دعائم الاقتصاد.
أي تقف إدارة أوباما في هذا التجاذب العنيف في الداخل بين تياري "التراجع" و"التقدم" الأميركي في العالم؟
يبدو حتى الآن أنها تتذبذب في "منزلة بين منزلتين"، مع ميل أكثر قليلاً إلى تيار التراجع. وهذا واضح وجلي في مايطلق عليه في واشنطن الآن استراتيجية "الاستدارة (Pivot )  أو إعادة التوازن ( Rebalancing) نحو منطقة آسيا- الباسيفيك"، بدلاً من التركيز على أوروبا- الأطلسي كما كان الأمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المسؤولان الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأميركية شون بريملي وإيلي راتنر يلخصان هذه الاستدارة أو إعادة التوازن بالنقاط الرئيسة التالية:
- أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعت الولايات المتحدة من تركيز الموارد  في آسيا التي تعتبر منطقة مركزية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. وهذا دفعه إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والاعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.
- هذا التوجه الجديد لايقتصر على الجوانب العسكرية بل يطال أيضاً المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (التوجه) يهدف إلى التركيز على الاهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي بوصفه الطريق الرئيس للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان جنوب ووسط آسيا.
- واشنطن لاتسعى إلى حفز دول كفيتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي- الصيني وحوار الأمن الاستراتيجي. والواقع أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الانخراط الأميركي الإيجابي مع بجبينغ  أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
- في حقبة التقشف المالي الذي تمر به الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك خفض الالتزامات الاميركية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل استراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند ان تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي على مستويات متوافقة مع إمكاناتها.
هذه هي قواعد الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بتطبيقها. وهي، كما هو واضح، تتكوّن من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والالتزامات الأميركية في الخارج.
الرئيس أوباما كرّس جل خطابه أوائل العام 2013 عن حال الاتحاد على الشأن الاقتصادي الداخلي، بوصفه المدخل لتعزيز الزعامة الأميركية العالمية. وهو أطلق على هذه المهمة وصف " إعادة إشعال" الآلة الاقتصادية الأميركية. وهذا يشمل خفض العجوزات وجبل الديون الضخمة، وإعادة تصنيع أميركا، والتركيز على تكنولوجيات الطباعة ذات الأبعاد الثلاثة (3-D printing ) التي تحدث الآن ثورة كبرى في كل مجالات الانتاج الصناعي، وبيوتكنولوجيا الجينوم، والنفط والغاز الحجري (shale oil and gas ) الذي سيمنح الولايات المتحدة قريباً اكتفاء ذاتياً من الطاقة.
وحين تطرق أوباما إلى السياسة الخارجية، كان ملفتاً أنه ركّز على رفض شن حروب ضد الإرهاب والاكتفاء بمساعدة الدول الأخرى على محاريته، والعمل على منع انتشار الأسلحة الخطرة (لدى إيران وكوريا الشمالية)عبر الدبلوماسية، وحماية الوطن الأميركي من الهجمات الالكترونية. كما أنه شدد على ضرورة تسريع المفاوضات حول الشراكة التجارية عبر كلٍ من المحيطين الهاديء في آسيا والاطلسي في أوروبا.
وكل هذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأميركية، قوامها الضبط الاقتصادي "القومي" في الداخل، وخفض الالتزامات (والحروب) الأميركية في الخارج، وإعادة تركيب نظام العولمة الأميركي بما يخدم هدفين في آن: احتواء صعود الصين، ومواصلة  ترسيخ الزعامة الأميركية على العالم.
ومن بطن هذه التوجهات الجديدة، تولد الآن سياسة خارجية أميركية جديدة في الشرق الأوسط. سياسة وصفها الكاتب الأميركي ديفيد أغناتيوس بأنها قد تشبه في عمقها وخطورتها الانفتاح الأميركي على الصين في الستينيات أو حتى حقبة نهاية الحرب الباردة في التسعينيات.
فما هي ملامح هذه الاستراتيجية الشرق اوسطية الجديدة؟ وما فرص نجاحها؟
(للحديث صلة)

سعد محيو