للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

إوباما وروحاني نحو "انفراج مسدود"




في 8 آب/أغسطس 1988 أعلن أية الله الخميني أنه "يتجرع السم من خلال قبوله وقف الحرب مع العراق".
وفي 16 أيلول/سبتمبر 2013، أي بعد 25 سنة، بدا خليفة الخميني أيه الله خامنئي وكأنه يتجرع السم هو الآخر، عبر إبداء استعداد إيران لممارسة "الليونة البطولية" في التعامل مع الغرب، بعد عقدين من "ِشيطنة أميركا" واعتبار أي ليونة في التعاطي معها بمثابة "خيانة إديولوجية".
الخميني قرر "تجرُّع سم" وقف الحرب لأن أدرك أنه عاجز عن حسم الحرب لمصلحته، ولأن نظامه بات مستنزفاً اقتصادياً وعرضة إلى الخطر. وخامنئي قرر هو الآخر "تجرع السم" لأن مقاربته القائمة على المجابهة مع الغرب، جعلت الاقتصاد الإيراني يتراقص على حافة الانهيار.
فالضائقة الاقتصادية الكبرى التي تمر بها إيران هذه الأيام، أدت إلى خفض قيمة الريال الإيراني بأكثر من 60 في المئة خلال الأشهر الستة الماضية، ورفعت معدلات البطالة بين الشباب إلى أكثر من 40 في المئة، هذا في حين كان التضخم يقفز إلى مستويات شاهقة. وهذا على مايبدو، مادفع مرشد الثورة الإيرانية إلى لجم الحرس الثوري الإيراني (مؤقتا) عن التدخل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (كما فعل العام 2009)، وإلى الافصاح علناً للمرة الأولى عن استعداده لابداء المرونة في المفاوضات النووية مع إيران.
"فيتنام إيران"
سبب هذا الانقلاب الخامئني سببان:
 الأول هو العقوبات الاقتصادية الغربية والدولية القاسية على إيران، التي جعلت الرئيس حسن روحاني يعترف في نيويورك أمس بأنها (العقوبات) ألحقت أضراراً فادحة ليس فقط بالاقتصاد الإيراني بل أيضاً بالمواطنين الإيرانيين العاديين الذين باتوا، على حد قوله، "يفتقدون إلى الطعام والدواء".
بيد أن السبب الثاني قد يكون أخطر: الكلفة الباهظة التي تتكبدها إيران في سباق التسلح والصراع على النفوذ الإقليمي مع الولايات المتحدة وبعض الدول الإقليمية في الشرق الأوسط، والتي قد تكون أكثر خطورة من العقوبات الدولية.
أكثر تجليات هذه المسألة تبرز في سورية.
كيف؟
يجب القول هنا، أولاً، أن لا أحد، بما في ذلك حتى  أبرز الخبراء الدوليين الموثوقين في الشأن الإيراني، يستطيع أن يدّعي ولو للحظة أنه قادر على توقّع سلوك طهران في السياسة الخارجية، لأنه ينبع (على حد قولهم الإجماعي) من ثنائية تاريخية شهيرة وعصية على التنبؤ: الباطنية أو التقيّة الشيعية، والدهاء أو الخبث الفارسي.
وربما هذا مادفع عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري، إلى القول عن تجربته في السلطة طيلة 40 سنة من الحليف الأكبر للنظام السوري: "لم تكن نعرف طيلة هذه الفترة ما يريد الإيرانيون، إلا بعد أن يحدث".
حسنا. إذا ماكان من الصعب، أو حتى المستحيل معرفة ما يريده الإيرانيون حقاً على المستوى الذاتي، إلا أنه ليس كذلك على الصعيد الموضوعي. وهذا مايتبدى الآن في الحالة السورية، حيث بات واضحاً أن  هذه الظروف الموضوعية بدأت تُملي على القادة الإيرانيين توجهات  تناقض صرخاتهم التضامنية المجلجلة مع النظام السوري.
ما هي هذه الظروف؟
إنها ببساطة تحوّل الحرب الأهلية- الإقليمية السورية إلى ما بات بعض المسؤولين الإيرانيين يصفونه في مجالسهم الخاصة بأنه "فيتنام إيران"، في وقت  يُجمع العديد من المحللين على أن الاقتصاد الإيراني يترنح بالفعل، كما أشرنا، على شفير الانهيار، بفعل الحصار الغربي، والفساد المستشري، وسوء الإدارة الحكومية.
وجاء الاستمرار غير المتوقع للحرب السورية، التي حوّلتها طهران إلى حربها الخاصة من خلال الاشتراك المباشر لوحدات من الحرس الثوري (فيلق القدس) وقوات حزب الله اللبناني وبعض الميليشيات الشيعية العراقية في المعارك، لتجعل سورية بمثابة "ثقب أسود" يستنزف ماتبقى من روح أو زخم في الاقتصاد الإيراني (يتندر الموظفون الرسميون في سورية بأنهم باتوا يتقاضون رواتبهم التي تقدّر برقم فلكي يناهز المليار دولار شهريا من طهران).
هذه المعطيات تقف على الأرجح وراء التمخضات التي تجري حالياً، وإن ببطء، في الداخل الإيراني حيال سورية، من جهة، والاتصالات"تحت الطاولة" وفوقها بين إيران والولايات المتحدة، من جهة ثانية، حول هذا الأمر. وكلا هذين التطورين وثيقي الصلة ببعضهما البعض.
ففي الداخل الإيراني، برز الموقف الخطير الذي اتخذه أية الله هاشمي رفسنجاني، الرئيس السابق وأحد الأعمدة الرئيس للنظام الإيراني، حين قال (في شريط فيديو مسجّل تمت إذاعته لنفي الرواية الرسمية عن عدم دقته):" بارك الله شعب سورية الذي تعرَّض إلى هجوم بأسلحة كيمائية على يد حكومته نفسها، والذي يتعيّن عليه الآن أن يتوقع غزواً أجنبيا". كما أدان رفنسجاني انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، وبدا وكأنه يدعم التمرد الشعبي ضد الرئيس بشار الأسد.
ويقول المحلل السياسي الإيراني صادق زيبا كلام، أن تصريح رفسنجاني هذا "لايعبِّر عن آراء ملايين المواطنين الإيرانيين وحسب بل هو أيضاً لسان حال مسؤولين كبار مثل الرئيس الجديد حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف" اللذين رحبا من أعماق قلبيهما به سرا".
هذا الرأي أيدته صحيفة فايننشال تايمز النافذة، لكنه لم تربطه بالمواقف الإنسانية بل في التوجهات الاستراتيجية، إذ قالت أن الرئيس روحاني وحكومته لايريدان مواصلة دعم نظام الرئيس الأسد مالياً وعسكرياً بلا شروط، لأنهما يعتبران ذلك عقبة أمام جهودهما لكسر الطريق المسدود في المحادثات مع الدول الست الكبرى حول الملف النووي الإيراني. وهذا ماقد يفسّر اللهجة غير التصعيدية الإيرانية السابقة حيال احتمالات الضربة العسكرية الأميركية لسورية.
ويقول هنا استاذ إيراني للعلاقات الدولية، طلب عدم ذكر اسمه،:" إيران لم تعد تريد وضع كل بيضها في سلة (الرئيس) الأسد، وقد بات من المصلحة الفضلى الاقتصادية والاستراتيجية لحكومة روحاني البحث عن بديل له". ويضيف إلى ذلك مهرزاد بوروجيردي، مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة سيراكوز:" المسألة الآن هي كالتالي: إذا ماتدهورت أوضاع الرئيس الأسد في ساحات المعارك، فمتى ستتخلى عنه طهران؟ إذا ماظهرت أدلة جديدة على أن جيش الاسد استخدم بالفعل الأسلحة الكيميائية، فهذا سيرفع إلى حد كبير الأكلاف السياسية لدعم إيران له".
هذه التطورات على الصعيد الداخلي الإيراني ترتبط بشكل وثيق، كما أشرنا، باتصالات ماتحت الطاولة بين إيران والولايات المتحدة، والتي يبدو أن سلطان عمان قابوس ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلاتمان، اللذان زارا طهران موخراً، ووزير الخارجية الروسي لافروف، ، يقومان فيها حالياً بدور ساعي البريد بين الطرفين.
وتوضح مصادر دبلوماسية غربية هنا أن سورية باتت عنصراً رئيساً في هذا الحوار غير المباشر الأميركي- الإيراني، حيث كانت واشنطن حريصة على تجنب أي ضربة عسكرية لسورية لئلا يؤدي ذلك إلى ضرب آفاق هذا الحوار، وحيث تبدي أيضاً حكومة روحاني الحرص نفسه عبر النأي بنفسها بقدر الإمكان عن بعض ممارسات النظام السوري.
وذهبت هذه المصادر أبعد من ذلك بكثير، حين نقلت عن محللين أميركيين وإيرانيين قولهم أن إيران ربما كانت ترحّب ضمناً بأي ضربة عسكرية أميركية محدودة لسورية، لأن ذلك سيجعل من الأزمة السورية مشكلة أميركية، بعد أن بقيت طيلة نحو سنتين ونصف السنة مشكلة ضخمة (مالية وعسكرية وإديولوجية) لطهران .
لا بل يعتقد محللون بريطانيون أن إضعاف النظام السوري قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل نقمة العقبة السورية أمام الحوار الإيراني - الأميركي إلى نعمة، من خلال بروز تحالف بين الطرفين ضد المنظمات الجهادية السنّية في سورية (وبالتالي في العراق) أسوة بما حدث بينهما في أفغانستان العام 2001.
وهذا أيضاً ما يراه كريم ساجادبور، خبير الشؤون الإيرانية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، الذي يقول:" تخوض إيران والولايات المتحدة الآن حرباً بالواسطة في سورية لن يخرج منها أحد رابحا. لكن، إذا، أو حين، يسقط الأسد، سيبرز أمام كلا الطرفين عدو مشترك هم الجهاديون المتطرفون السنّة".
هل هذه التحليلات في محلها؟
ربما. لكن هنا يجب الأخذ بنصيحة خدام: انتظار وقوع الحدث الإيراني، قبل أن نتأكد من أنه سيحدث بالفعل!.
هل تنجح المفاوضات؟
هذا على صعيد الوضع الاقتصادي والصراع الإقليمي. ماذا الآن عن احتمالات نجاح المفاوضات الإيرانية- الأميركية؟
مايلفت الانتباه هنا هو ماكشفت عنه مصادر دبلوماسية غربية رفيعة المستوى من أن واشنطن طلبت من طهران عبر وسطاء عُمانيين وسويسريين وروس أن تجري معظم المحادثات المقبلة بينما في إطار من السرية التامة.
وعلى رغم أن المصادر قالت أنها لم تعرف رد فعل الإيرانيين على هذا الاقتراح، إلا أنها قالت أن هذه الخطوة ضرورية لتسهيل التوصل إلى "رؤوس أقلام اتفاق" بين الطرفين حول خريطة طريق المفاوضات وتحديد الهدف الذي يراد الوصول إليه، من دون السماح للعوامل الداخلية في إيران والولايات المتحدة بالتأثير على مجريات الأمور بينهما.
وأعربت المصادر عن ثقتها بأن المفاوضات المقبلة، سواء منها السرية أو تلك التي تجري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بين الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف مع مجموعة الدول الخمسة + واحد،  سببها كما أسلفنا الضائقة الاقتصادية الكبرى التي تمر بها إيران هذه الأيام، ولأن إدارة أوباما أثبتت طيلة السنوات الخمس الأخيرة أن أولاياتها القصوى تكمن في إصلاح البيت الداخلي الأميركي وفي الاستدارة شرقاً نحو شرق آسيا. وهذا ماجعلها تتخذ مواقف انسحابية من كل قضايا الشرق الأوسط تقريبا، من مصر والعراق وتونس إلى سورية مؤخرا. كما أن هذا ما جعل القيادة الإيرانية تشعر بشيء من الطمأنينة بأن واشنطن ربما لم تعد تسعى إلى تغيير النظام الإيراني.
نقطة الانطلاق في المفاوضات الإيرانية- الأميركية ستبدأ من الاتفاق الروسي - الأميركي على الملف النووي الكيميائي، حيث ستكون فرص الاتفاق كبيرة بين الطرفين، وربما أيضاً حول التسوية السياسية في سورية. لماذا؟ تجيب المصادر: لأن شعور الإيرانيين إزاء الأسلحة الكيميائية يشبه شعور اليابانيين إزاء الأسلحة النووية. فهم خسروا أكثر من 100 ألف ضحية أو إصابة بها على يد صدام حسين. كما أن اقتصادهم أرهق بشدة من جراء دعم نظام الرئيس بشار الأسد على كل الصعد المالية والأمنية. وهذا ماقد يجعل الاتفاق مع واشنطن ممكن حول كلٍ من الأسلحة الكيميائية السورية ونظام مابعد الأسد.
ويتوقع أن تطرح واشنطن أيضاً على الإيرانيين فصلاً جديداً من التعاون بين الطرفين ضد الإرهاب والأطراف السنّية المتطرفة، كما حدث بينهما حين تعاونا في حربي  أفغانستان والعراق ضد خصوم مشتركين.
بيد أنه يعتقد أن عقدة المنشار في المفاوضات ستكون الثمن الذي يريده المفاوضون الإيرانيون مقابل استعدادهم لعدم تجاوز نسبة الـ20 في المئة من عملية تخصيب اليورانيوم. إذ أنهم يسعون إلى إجراءات جدية من الغرب ليس فقط إلى خفض العقوبات الاقتصادية عنهم، بل حتى أيضاً إلى مساعدة الاقتصاد الإيراني على تجاوز عتبة الانهيار التي يقف أمامها الآن. وهذا أمر لن يقبله الكونغرس الأميركي إلا من خلال "خطوة استسلامية" إيرانية يتم خلالها التأكد من أمرين إثنين:
الأول، أن إيران ستغلق فعلياً ملف التسلُّح النووي، وستشرع كل أبوابها أمام التفتيش الدولي على منشآتها النووية.
والثاني، أن الولايات المتحدة تريد أن تطمئن إلى أن التحولات في المواقف الإيرانية، من التصعيد والمجابهة إبان عهد الرئيس أحمدي نجاد إلى الليونة والتسويات في عهد روحاني، سيشمل أيضاً إسرائيل.
وهذان أمران دونهما ثلاث عقبات كأداء:
الأولى، أن أجنحة عديدة في الحرس الثوري الإيراني، وفي مقدمها فيلق القدس الذي يقوده سليماني، ستتضرر بشدة من أي صفقة أميركية- إيرانية، لأن مصالحها الاقتصادية تتغذى من العقوبات الدولية على إيران.
والثانية، أن الكونغرس الأميركي يحتوي على صقور بالغي الشراسة يعارضون أي خطوة مع طهران لاتتضمن العمل على إسقاط النظام. وقد وقّع عشرة شيوخ قبل أيام بياناً أصروا فيه على أنه ما لم تفكك إيران ليس فقط برنامجها النووي العسكري بل أيضاً المدني وما لم تصبح ديمقراطية ليبرالية (أي يتم تغيير نظامها)، فإنه لايجب رفع أي من العقوبات المفروضة عليها.
والعقبة الثالثة تكمن في الشرق الأوسط. إذ أن أي صفقة ثنائية أميركية- إيرانية لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح القوى الإقليمية الرئيس في المنطقة، ستجابه باعتراضات قوية قد تؤدي إلى تقويضها.
والحصيلة؟
إنها واضحة: أوباما وروحاني متحسمان لإبرام الصفقات. لكنهما في الواقع نسران بلا أسنان: فالأول لن يحصل على موافقة الكونغرس على أي اتفاق لايرضي الصقور الجمهوريين والليكوديين، والثاني عرضة في أي لحظة للوقوع في أفخاخ الحرس الثوري الذي قد يتجاوز حتى أوامر ولي الفقيه، بعد أن بات هذا الحرس منذ عقد من الزمن هو القوة الفعلية الحاكمة في بلاد الخميني وقورش.
وأمام هذا الوقائع، أكثر مايمكن أن يحققه الثنائي أوباما وروحاني هو صفقات ثنائية صغيرة، على نمط  صفقات أفغانستان وإيران غيت. أما "الصفقة الكبرى" التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة فهي يجب أن تنتظر ولادة نظام دولي جديد لايبدو في الأفق أنه قد يطل برأسه في أي وقت قريب.

____________________________


الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

هل هي بداية نهاية الزعامة الغربية للعالم؟



- I -
السؤال الكبير الذي طُرِح غداة تراجع الرئيس الأميركي أوباما في اللحظة الأخيرة عن الضربة العسكرية لسورية لايزال كبيرا: هل بدأ الانحسار الامبراطوري الأميركي الكبير في العالم، أم أن الأمر شبيه بما حدث في الستينيات حين انسحبت أميركا من الهند الصينية ثم عاودت، بنجاح، الهجوم الاستراتيجي الشامل في العالم؟

(حين توافر بديلهاـ  سقطت الامبراطورية العثمانية (اللوحة من غوغل

الإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر الهين. إذ أنها  يجب أن تنتظر إما نهاية ولاية أوباما الحالية بعد ثلاث سنوات بصفتها المسؤولة عن تخبط الزعامة الاميركية على هذا النحو الخطير، أو أن تقوم إدارة أوباما نفسها بخطوات مفاجئة في السياسة الخارجية لمحاولة استعادة زمام المبادرة الدولية.
بيد أن مجلة إيكونوميست، الرزينة عادة، لم تنتظر بل هي قفزت فوراً إلى التشديد على مسألة الانسحابية الأميركية، من خلال شن حملة عنيفة للمرة الأولى على الرئيس الأميركي أوباما والدول الأوروبية الأخرى، واتهمتهم باضعاف الغرب وضعضعة موقعه في العالم. كما توقعت أن تنشط روسيا والصين الآن لـ"ملء" الفراغ الذي يتركه الغرب في العالم.
وأضافت المجلة، في مقال احتل غلافها وافتتاحيتها الرئيس هذا الأسبوع، أن "روسيا أضعف كثيراً من أن تستعيد النفوذ السوفييتي السابق في الشرق الأوسط، لكن أداء الغرب في الأزمة السورية بعد عقد من غزو العراق، أوضح إلى أي مدى تقلّص النفوذ الغربي. والمؤسف أن قلة من الأميركيين والأوروبيين يهتمون بذلك".
الافكار الرئيسة الأخرى في الافتتاحية:
-  صفقة نزع السلاح الكيميائي السوري مهلهلة. صحيح أن أوباما احتفظ بحق استخدام القوة العسكرية وأن بوتين قد يريق ماء وجهه إذا ما خرق الرئيس الأسد الاتفاق، إلا أن ما يهم هذا الأخير ليس اضعاف الأسد بل الظهور بمظهر المتساوي مع الولايات المتحدة. ولأنه يعلم أن أوباما يحتاجه، فإنه قد يعمد إلى إطالة الأزمة السورية.
- صدقية الولايات المتحدة قد تقوّضت، ليس فقط في سورية بل أيضاً في الشرق الأوسط. وهذا عكس ماحدث غداة نهاية الحرب الباردة حين تصرّف الغرب بتصميم وخيال خصب. إن مشكلة الغرب الكبرى تكمن في الأرث المُشل لحربي العراق وأفغانستان. ومما  فاقم من هذه الأزمة ضعف الاقتصاد في أوروبا والسياسات الحزبية الشرسة في أميركا.
- والآن، فإن كل طاغية في العالم يعرف أن الخطوط الحمر التي يضعها زعيم العالم الحر ليست أكثر من مجرد تهديد ويحتاج إلى موافقة الكونغرس عليها. ولذا فهو سيكون حراً وطليق اليد في ذبح شعبه واقتناء أسلحة الدمار الشامل. كما أن روسيا والصين ستكونا أكثر تصميماً على اختبار عضلاتهما في الفراغ الذي يتركه الغرب.
- II -
صحيح أن الأيكونوميست اختتمت افتتاحيتها بالقول أن "الغرب ليس في انحدار لايرحم نحو التهميش. الأمر أبعد كثيراً من ذلك. فالاقتصاد الأميركي يستعيد عافيته والفورة في النفط والغاز الصخريين قوّضت الاوتوقراطيات التي تتغذى من الطاقة"، إلا أنها عادت إلى الشكوى من تدهور مصداقية الغرب وضعفه.
فهل يعني ذلك أنها تميل إلى الاطلالة على التراجع الغربي الراهن بوصفه انحساراً تاريخياً للزعامة الغربية في العالم؟
لايبدو أن الأمر كذلك.
لكن هنا ثمة ماقد يكون أدهى. فصورة التقهقر الغربي ستكون واضحة وفاقعة بالنسبة إلى  قوى كبرى أو صاعدة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل والنمور الآسيوية، هذا ناهيك عن دول حليفة لأميركا كاليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا التي لن تقرر على الأرجح الانتظار لمعرفة ما إذا كان التراجع الأميركي تكتيكياً أو استراتيجيا، مؤقتاً أو دائما، بل ستبدأ من الآن بالبحث عن حلفاء جدد في نظام عالمي جديد.
وإذا ماحدث ذلك، والأرجح أنه سيحدث إذا ما استمر التخبط الأميركي، فسنكون فعلاً أمام منعطف تاريخي كبير في النظام الدولي.
 لماذا؟
لأن التاريخ يعلمنا أنه يمكن للامبراطوريات الكبرى أن تنحدر وتبقى على قيد الحياة طويلا من دون أن تسقط، إذا لم يتوافر بديل لها. أما إذا ماتوافر هذا البديل، كما حدث مثلاً مع الامبراطوريات الرومانية والفارسية والعثمانية والبريطانية، فإن الانحدار سيعني حتما الاندثار.

سعد محيو

_____________________________


الاثنين، 23 سبتمبر 2013

إيران- أميركا: إرادة مشتركة للنجاح.. ولكن؟


- I -
مافرص نجاح، أو فشل، المفاوضات الإيرانية- الأميركية؟

المعطيات الأولية، كما أشرنا، إيجابية. فالرئيس الإيراني روحاني تعهد في مقال نشرته "واشنطن بوست" (20 أيلول سبتمبر) بأن يُجري مع الغرب مقاربة جديدة أطلق عليها اسم "الانخراط البناء". والرئيس الأميركي أوبما "يتشوّق" لأي تسوية مع إيران تساعده على تجنب الكابوس الذي يؤرق نومه منذ أن دخل البيت الأبيض قبل خمس سنوات: الوقوع في فخ حرب جديدة في الشرق الأوسط.
فضلاً عن ذلك، تلعب الضائقة الاقتصادية الكبرى التي تمر بها إيران هذه الأيام بسبب العقوبات الدولية والغربية، حيث انخفضت قيمة الريال بأكثر من 60 في المئة خلال الأشهر الستة الماضية وارتفعت معدلات البطالة والتضخم إلى مستويات شاهقة، دوراً كبيراً في الليونة الإيرانية المفاجئة. وهذا أساساً مادفع مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي إلى لجم الحرس الثوري الإيراني عن التدخل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (كما فعل العام 2009)، وإلى الافصاح علناً للمرة الأولى (في 16 أيلول الحالي) عن استعداده لابداء "المرونة الشجاعة" في المفاوضات النووية مع إيران.
ويقابل هذا التغيير في الموقف الإيراني تغيير موازٍ في الموقف الأميركي، حيث أثبتت إدارة أوباما طيلة السنوات الخمس الأخيرة أن أولاياتها القصوى تكمن في إصلاح البيت الداخلي الأميركي وفي الاستدارة شرقاً نحو شرق آسيا. وهذا ماجعلها تتخذ مواقف انسحابية من كل قضايا الشرق الأوسط تقريبا، من مصر والعراق وتونس إلى سورية مؤخرا. كنا أن هذا ماجعل القيادة الإيرانية تشعر بشيء من الطمأنينة بأن واشنطن ربما لم تعد تسعى إلى تغيير النظام الإيراني.


- II -
بيد أن روحاني وأوباما ليسا اللاعبين الوحيدين في هذه الرقصة الكبرى الجديدة في الشرق الأوسط. إذ هناك في داخل كلا البلدين قوى أساسية يجب أن توافق أولاً على أي اتفاق: صقور الكونغرس الأميركي الموالين بقوة للوبي اليهودي، وصقور الحرس الثوري الإيراني المتمثلين بـ"فيلق القدس" القوي والنافذ.
وإلى هذه القوى، هناك إسرائيل التي قد يدفعها أي اتفاق لاترى فيه أهدافها وقد تحققت، وفي ومقدمها منع إيران من امتلاك المعرفة النووية العسكرية وانتاج اليورانيوم المخصّب، إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران لاجهاض الاتفاق. وهناك السعودية ودول الخليج، التي تشعر بقلق شديد من احتمال ولادة كوندومينيوم (حكم مشترك) إيراني- أميركي على حسابها. كما هناك تركيا التي تسعى هي الأخرى لأن تكون زعيمة الغالبية السنيّة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وبالتالي تريد أن تكون حاضرة بقوة في إي إعادة تنظيم جديدة لنظام الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تبدو "الصفقة الكبرى" الإيرانية- الاميركية التي لطالما تحدث الكثيرون عنها، مشروعاً صعباً أو على الأقل بعيد المدى ويحتاج إلى إجماع أو شبه إجماع بين القوى الإقليمية الرئيسة في المنطقة، مضافاً إليه الآن النفوذان الروسي والصيني اللذان تناميا بفعل العجز والتعثر الأميركي الأخير في الأزمة السورية.
- III -
بيد أن هذا لايمنع وصول إيران وأميركا إلى "صفقات صغيرة" عديدة يبدو أن الطرفين مستعدان لإبرامها،: من الحرب الأهلية السورية، ومستقبل دور حزب الله اللبناني في سورية ولبنان، إلى الحرب المشتركة ضد الإرهاب والتطرف.. ألخ. وهذا ما ألمح إليه روحاني حين قال أنه يتعيّن على إيران والغرب تغيير وجهة مسار مفاوضاتهما: من مقاربة مالاتريده الأطراف المعنية إلى ماتريده.
أما الصفقة الكبرى نفسها، فيجب أن تنتظر وضع الملف النووي الإيراني الشائك ومعه العقوبات الاقتصادية الغربية على إيران على سكة الحل الحقيقي، كجزء من نظام إقليمي أمني- استراتيجي جديد  في كل الشرق الأوسط تتحدد فيها أدوار القوى الإقليمية والدولية، وليس كمجرد صفقة إيرانية- أميركية ثنائية.

سعد محيو



الخميس، 19 سبتمبر 2013

طهران وواشنطن: أسرار المحادثات.. السرية



- I -
كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى في بيروت، أن واشنطن طلبت من طهران عبر وسطاء عُمانيين وسويسريين وروس أن تجري معظم المحادثات المقبلة بينما في إطار من السرية التامة.
وعلى رغم أن المصادر قالت أنها لم تعرف رد فعل الإيرانيين على هذا الاقتراح، إلا أنها قالت أن هذه الخطوة ضرورية لتسهيل التوصل إلى "رؤوس أقلام اتفاق" بين الطرفين حول خريطة طريق المفاوضات وتحديد الهدف الذي يراد الوصول إليه، من دون السماح للعوامل الداخلية في إيران والولايات المتحدة بالتأثير على مجريات الأمور بينهما.
وأعربت المصادر عن ثقتها بأن المفاوضات المقبلة، سواء منها السرية أو تلك التي ستجري الأسبوع المقبل على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بين الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف مع مجموعة الدول الخمسة + واحد، لها حظوظ معقولة للنجاح للأسباب التالية:
- الضائقة الاقتصادية الكبرى التي تمر بها إيران هذه الأيام بسبب العقوبات الدولية والغربية، حيث انخفضت قيمة الريال بأكثر من 60 في المئة خلال الأشهر الستة الماضية وارتفعت معدلات البطالة والتضخم إلى مستويات شاهقة. وهذا في الأساس ، برأي المصادرـ مادفع مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي إلى لجم الحرس الثوري الإيراني عن التدخل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (كما فعل العام 2009)، وإلى الافصاح علناً للمرة الأولى (في 16 أيلول الحالي) عن استعداده لابداء المرونة في المفاوضات النووية مع إيران.
- ويقابل هذا التغيير في الموقف الإيراني تغيير موازٍ في الموقف الأميركي، حيث أثبتت إدارة أوباما طيلة السنوات الخمس الأخيرة أن أولاياتها القصوى تكمن في إصلاح البيت الداخلي الأميركي وفي الاستدارة شرقاً نحو شرق آسيا. وهذا ماجعلها تتخذ مواقف انسحابية من كل قضايا الشرق الأوسط تقريبا، من مصر والعراق وتونس إلى سورية مؤخرا. كنا أن هذا ما جعل القيادة الإيرانية تشعر بشيء من الطمأنينة بأن واشنطن ربما لم تعد تسعى إلى تغيير النظام الإيراني.
- وأخيراً، يشير تعدد الأطراف الدولية المستعدة للعمل كوسيط بين طهران وواشنطن، من عُمان( التي نقل سلطانها مؤخراً رسالة خطية من الرئيس أوباما إلى الرئيس روحاني وعاد ومعه جواباً عليها) وسويسرا التي ترعى المصالح الأميركية في إيران وتستعد للعب دور كبير لاحقاً كساعي بريد بين البلدين، والعراق، وصولاً إلى روسيا، إلى أن المجتمع الدولي يشعر بالفعل أن العلاقات مع إيران يمكن أن تدخل بالفعل مرحلة جديدة مفتوحة نسبياً على احتمالات التسوية.
- II -

 نقطة الانطلاق في المفاوضات الإيرانية- الأميركية ستبدأ من الاتفاق الروسي - الأميركي على الملف النووي الكيميائي، حيث ستكون فرص الاتفاق كبيرة بين الطرفين، وربما أيضاً حول التسوية السياسية في سورية. لماذا؟ تجيب المصادر: لأن شعور الإيرانيين إزاء الأسلحة الكيميائية يشبه شعور اليابانيين إزاء الأسلحة النووية. فهم خسروا أكثر من 100 ألف ضحية أو إصابة بها على يد صدام حسين. كما أن اقتصادهم أرهق بشدة من جراء دعم نظام الرئيس بشار الأسد على كل الصعد المالية والأمنية. وهذا ماقد يجعل الاتفاق مع واشنطن ممكن حول كلٍ من الأسلحة الكيميائية السورية ونظام مابعد الأسد.
ويتوقع أن تطرح واشنطن أيضاً على الإيرانيين فصلاً جديداً من التعاون بين الطرفين ضد الإرهاب والأطراف السنّية المتطرفة، كما حدث بينهما حين تعاونا في حربي  أفغانستان والعراق ضد خصوم مشتركين.
بيد أنه يعتقد أن عقدة المنشار في المفاوضات ستكون الثمن الذي يريده المفاوضون الإيرانيون مقابل استعدادهم لعدم تجاوز نسبة الـ20 في المئة من عملية تخصيب اليورانيوم. إذ أنهم يسعون إلى إجراءات جدية من الغرب ليس فقط إلى خفض العقوبات الاقتصادية عنهم، بل حتى أيضاً إلى مساعدة الاقتصاد الإيراني على تجاوز عتبة الانهيار التي يقف أمامها الآن. وهذا أمر لن يكون من السهل على الولايات المتحدة القبول به إلا من خلال "صفقة كبرى" يتم خلالها التأكد من أمرين إثنين:
الأول، أن إيران ستغلق فعلياً ملف التسلُّح النووي، وستشرع كل أبوابها أمام التفتيش الدولي على منشآتها النووية.
والثاني، أن الولايات المتحدة تريد أن تطمئن إلى أن التحولات في المواقف الإيرانية، من التصعيد والمجابهة إبان عهد الرئيس أحمدي نجاد إلى الليونة والتسويات في عهد روحاني، سيشمل أيضاً إسرائيل.
وهنا تتوقع المصادر أن يمر الرئيس روحاني مرور الكرام أمام مسألة إسرائيل في خطابه المرتقب أمام الجمعية العامة، وأن يكتفي بما كان يردده الرئيس السابق خاتمي من أن إيران تلتزم بما يقرره الشعب الفلسطيني.
سعد محيو

________________________

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

ماذا لو كنت مكان الملك السعودي عبد الله؟


- I -
لم يجرؤ أحد خارج الولايات المتحدة على وصف الرئيس أوباما بأنه شخصية ضعيفة، ومترددة، أو حتى متهاوية تحت الضغط. ولاعجب. فالعالم لايرى أوباما كما تظهر صورته في المرآة، بل يراها من خلال عدسات أعتى قوة عسكرية في التاريخ.
ولذا، يتم اختراع المبررات له إزاء تقلباته العجيبة في الأزمة السورية، خاصة بعد أن حصل على "وعد" من الرئيسين الأسد وبوتين بتفكيك الترسانة الكيمائية السورية بعد تسعة9 أشهر (قابلة للتمديد لتسع سنوات أو ربما تسع عشرة سنة!):  فهو رئيس لابوشي، أي يريد أن يكون عكس ماكانه جورج بوش. وهو تبنى استراتيجية الاستدارة شرقاً نحو الصين ( Pivot) وغرباً نحو الداخل الأميركي (بناء الأمة الأميركية)، ولذا لايريد سوى إدارة الظهر للشرق الأوسط برمته.
بيد أن الساسة والمواطنين الأميركيين ليسوا مضطرين لرؤية أوباما بغشاء الدولة العظمى هذا. ولذا، مايرونه هو ما هو موجود: رئيس لايرأس شيئاً، وصاحب قرار لا يقرر شيئا. وهاكم عينة سريعة على ما يعتقده هؤلاء:
- الكاتبة روث ماركوس: "الرئيس أوباما يعتقد أن الانتقادات الموجهة إليه سببها أسلوبه في العمل، لا جوهر هذا الأسلوب. لكن هذا لايقنع أحدا، لأنه لا يمكن الركون إلى الوعود الروسية ولا بالطبع السورية. وحتى لو تحققت هذه الوعود، فهذا سيسفر عن تحصُّن النظام السوري ومواصلته قتل الآلاف من شعبه. إن عجز أوباما عن اتخاذ القرارات، وتقلُّب مواقفه وآرائه، جعلت الجميع في الكونغرس والإعلام "يحتقرون" " أداءه" و"يزدرونه".
- الكاتب ريتشارد كوهن: "أوباما فقد السيطرة على السياسة الخارجية- هذا إذا ماكان عنده أصلاً سياسة خارجية- ، إلى درجة أنه بات عليه الآن أن ينتظر الأسد لتنفيذ الصفقة مع الروس. كما عليه أن يواصل التهديد باستخدام القوة، لكن المشكلة أن لا أحد يصدقه الآن. وهكذا، وبسبب إهمال أوباما وتردده، مضافاً إليه وجود كونغرس غارق في العزلة، بات العالم أكثر خطراً بكثير على الأمن القومي الأميركي".
وهذا رأي أقرّه حتى الكاتب البريطاني غيديون راتشمان الذي، وعلى رغم اقتناعه بأن سوء أداء أوباما لن يمس مصداقية الدولة العظمى الأميركية، إلا أنه اعترف بأن هذا الأداء أثار القلق من أن يشعر خصوم الولايات المتحدة، كالصين وإيران، بالإغراء لاختبار مدى تصميم الإدارة الأميركية.
- II -
هذا ما يراه الأميركيون من داخل. والأرجح أن حلفاء أميركا من قادة الشرق الأوسط يرون المشهد نفسه، على الأقل في مجالسهم الخاصة.
إذ كيف يمكن بعد الآن للملك السعودي عبد الله، على سبيل المثال، أن يثق بأن أميركا (في عهد أوباما) ستكون حليفاً موثوقاً في مجابهة نفوذ دولة كإيران، ليس فقط في الحرب بالواسطة في سورية، بل حتى في داخل منطقة الخليج العربي؟
أليس وارداً أن يكون أوباما في وارد إبرام "صفقة كبرى" مع إيران، تساعده على المسارعة إلى الخروج من هذه المنطقة التي "يكره" (الشرق الأوسط)، تماماً كما فعل حين خرج من بغداد بسرعة تشبه تلك التي خرجت بها أميركا من سايغون؟.
ثم: كيف يمكن للملك عبد الله بعد الآن أن يثق بأن واشنطن لن تقبل باختلال موازين القوى لصالح طهران- موسكو (وربما من ورائهما دول معاهدة شنغهاي)، بعد أن جلست فوق السور، فيما الحرس الثوري الإيراني و"الحرس القديم" الروسي يشنان حرباً علنية شاملة في سورية؟
الارجح أن الملك يتذكّر الآن أن ثمة تياراً قوياً في أميركا (قد يكون أوباما جزءاً منه) يدعو إلى تقليص كبير للالتزامات الاميركية في منطقة الخليج. أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا، الذي نشر مؤخراً في دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليج على سبيل المثال:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي"، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- III -
العاهل السعودي، الذي يقال أنه أبدى استعداداً لتوفير تمويل خليجي للضربة الأميركية للنظام السوري بقيمة 15 مليار دولار، يفكر الآن بالتاكيد بكل هذه المعطيات.
وحين يفعل، سيكون غيره من قادة الدول الحليفة لأميركا، كتركيا واندونيسيا وكوريا الجنوبية والفيلبين وتايوان، وحتى اليابان، في وارد إعادة النظر هم أيضاَ في علاقاتهم معها، وفي وارد التساؤل عن معنى "الخطوط الحمر" والالتزامات الأميركية.
هل كان أوباما يدرك هذه المخاطر، حين تقلّب بلامسؤولية كاملة إزاء الأزمة السورية، التي ستواصل ملاحقته كظله حتى وهو يهرب منها؟
الأرجح أن الأمر ليس على هذا النحو. فالرجل لايزال يعتقد أن أسلوب عمل القوة العظمى ليس مهما، فيما هو في الواقع الأهم بالنسبة إلى دول العالم.

سعد محيو






الاثنين، 16 سبتمبر 2013

أوباما: ضعف أم حصافة؟


- I-
هل باراك أوباما رئيس ضعيف للغاية أم حصيف للغاية؟
الآراء منقسمة بشدة حول هذا السؤال في كل أنحاء العالم، على رغم وجود إجماع نادر لدى الجميع تقريباً بأنه متردد كثيرا، ومتقلِّب أكثر.
منتقدو الرئيس الشاب، وهم باتوا كثراً الآن في الداخل الأميركي، ينعتونه بأسوأ الأوصاف. فهو، برأي بيل كلينتون، كما ورد في الكتاب الأخير للكاتب الأميركي البارز إدوارد كلين بعنوان "الهاوي"  (The Amateur)، "غير كفؤ وغير قادر على القيام بواجبات البيت الأبيض. أنه هاوٍ ولايعرف كيف يكون رئيساً، كما لايعرف كيف يعمل العالم".
 مواقف أوباما من تطورات الأزمة السورية الراهنة، توحي بأن كلمات كلينتون دقيقة حرفاً بحرف. فهذا الرئيس أثبت أنه يستيقظ متردداً وينام متقلّبا. يتخذ قراراً "حاسماً" في الصباح، ويغيّره بـ"حسم" في المساء. وهذا جعله وإدارته تتخبطان خبط عشواء في كل خطوة قامت بها حيال هذه الأزمة السورية. كما جعل الدولة العظمى الوحيدة في العالم تبدو أشبه بكرة تتقاذفها دول كبرى ومتوسطة وصغرى على حد سواء.     
نقطة البداية في هذا التخبط، التي تجرأت صحيفة "فايننشال تايمز" المتطرفة في رزانتها وتحفظها على وصفها بأنه بات "كوميديا"، كانت في لحس الرئيس الأميركي تهديده السنة الماضية بمعاقبة النظام السوري "في حال تجاوزه الخط الأحمر الكيميائي"، رغم اعترافه مؤخراً  أن  النظام استخدم الأسلحة الكيميائية 11 مرة ضد شعبه.
ثم توالت بعد ذلك فصول هذه المسرحية: من قرار أوباما توجيه ضربة عسكرية سريعة للنظام السوري وقيامه بحشد الأساطيل الأميركية في شرق المتوسط استعداداً لذلك، إلى قراره في ربع الساعة الأخير من الموعد المحدد للضربة التراجع وإحالة الأمر إلى الكونغرس. هذا على رغم أن أوباما كان يعلم سلفاً أنه سيواجه معارضة شديدة من مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وأنه قد يتعرض إلى هزيمة سياسية نكراء قد تجعله أول رئيس أميركي في التاريخ يتحول إلى "بطة عرجاء" قبل ثلاث سنوات كاملة من انتهاء عهده.
- II -
وجاء الفصل الأخير حين وافق أوباما على وضع كل بيضه في سلة روسيا وسورية، بعد أن وضعها في سلة الكونغرس، من خلال موافقته على اقتراح موسكو بوضع الأسلحة الكيميائية السورية في عهدة الأسرة الدولية، وهو أمر سيتطلب في حال تطبيقه سنوات طوال.
يقول هنا إيان بريمر، رئيس فريق أوراسيا، أن "تذبذبات وتقلبات السيد أوباما حول الضربة العسكرية لسورية، سيكون لها تأثيرات ضخمة على مصداقية السياسة الخارجية الأميركية. فحلفاء الولايات المتحدة (مثل السعودية وبقية دول الخليج والفيلبين وسنغافورة وحتى اليابان) سيكونون قلقين حيال الالتزامات الأميركية المقدمة إليهم".
هذا عن نقاد أوباما. فماذا عن أنصاره؟
يقول هؤلاء، بمن فيهم الرئيس الأسبق كارتر والدبلوماسي الأميركي البارز جيريمي شابيرو، أن انتقاد أوباما من موقع الربط الشديد بين الضربة العسكرية وبين المصداقية الأميركية، أمر مخطيء ويجر سريعاً إلى تكرار الحربين الفيتنامية أو العراقية.
 ويضيفون أن أوباما، وعلى رغم تقلباته المزعجة والمحيّرة، كان حصيفاً حين حاول بكل امكاناته تجنب استخدام العصا الغليظة التي لطالما استخدمها جورج بوش. اما الحديث عن أن عدم توجيه ضربة إلى سورية سيشجع إيران على المضي قدماً في مشروعها النووي من دون رادع أو خط أحمر أميركي، فهي محاججة مردودة لأن طهران تواصل أصلا قبل منذ سنوات من اندلاع الأزمة السورية هذا المشروع.
- III -

من على حق في هذا الجدال؟
المعسكر الأول، لكن ليس فقط لأن أوباما كان متردداً عسكرياً ومتقلباً استراتيجيا، بل لأنه أدخل الشلل إلى الدبلوماسية الأميركية. وهنا يجب أن نتذكَّر أن الولايات المتحدة حققت أبرز انتصاراتها (عدا في الحربين العالميتين الأولى والثانية) من خلال الدبلوماسية لا الحرب: من جذب هنري كيسينجر الصين إلى المحور الأميركي خلال الحرب الباردة، إلى نجاح جيمس بيكر في حشد العالم ضد نظام صدام حسين عشية غزو العراق، مروراً بالعمل الباهر الذي قام به ريتشارد بروك في استعادة الثقة الجيواستراتيجية للولايات المتحدة لدى بلدان جنوب شرق آسيا غداة هزيمة فيتنام.
أوباما كان في وسعه أن يحقق مثل هذه الانجازات الدبلوماسية من دون ضربات عسكرية، أو أن يحقق "النصر من دون حرب" (على حد تعبير ريتشارد نيكسون في كتابه الشهير). لكنه لم يفعل. وهذا ما جعل مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والدولية الروسية على حق حين قالت قبل أيام أن أوباما "سيُثبت أنه أضعف رئيس، وأكثرهم غير قابلية للتوقع، في كل التاريخ الأميركي".
أما الحديث عن نصر حققه أوباما من خلال موافقة روسيا على تجريد سورية من أسلحتها الكيميائية، فهو سابق لأوانه، لأنه ليس ثمة ضمانات البتة بأن مثل هذه الصفقة ستنجح.


سعد محيو

الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

هل وقع أوباما في فخ جديد، روسي هذه المرة؟



في كتابه الأخير بعنوان "الهاوي"  (The Amateur) ينقل الكاتب الأميركي البارز إدوارد كلين عن الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قوله:" باراك أوباما غير كفؤ وغير قادر على القيام بواجبات البيت الأبيض. أنه هاوٍ ولايعرف كيف يكون رئيساً، كما لايعرف كيف يعمل العالم".
كلمات قاسية؟
ربما كان الأمر كذلك قبل أشهر قليلة. لكن مواقف أوباما من تطورات الأزمة السورية الراهنة، جاءت لتؤكد كلمات كلينتون حرفاً بحرف. فهذا الرئيس أثبت أنه يستيقظ متردداً وينام متقلّبا. يتخذ قراراً "حاسماً" في الصباح، ويغيّره بـ"حسم" في المساء. وهذا جعله وجعل إدارته تتخبط خبط عشواء في كل خطوة قامت بها حيال الأزمة السورية. كما جعل الدولة العظمى الوحيدة في العالم تبدو أشبه بكرة تتقاذفها دول كبرى ومتوسطة وصغرى على حد سواء.
فصول المسرحية 
نقطة البداية في هذه المسرحية الأوبامية، التي تجرأت صحيفة "فايننشال تايمز" المتطرفة في رزانتها وتحفظها على وصفها بأنها باتت "كوميدية"، كانت في لحس الرئيس الأميركي تهديده السنة الماضية بمعاقبة النظام السوري "في حال تجاوزه الخط الأحمر الكيميائي"، رغم اعترافه مؤخراً (على لسان وزير الخارجية كيري ) أن  النظام استخدم الأسلحة الكيميائية 11 مرة ضد شعبه، وأن مجرزة الغوطة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة في ذلك.
ثم توالت بعد ذلك فصول المسرحية: من قرار الرئيس أوباما توجيه ضربة عسكرية سريعة للنظام السوري وقيامه بحشد الأساطيل الأميركية في شرق المتوسط استعداداً لذلك، إلى قراره في ربع الساعة الأخير من الموعد المحدد للضربة التراجع وإحالة الأمر إلى الكونغرس. هذا على رغم أن أوباما كان يعلم سلفاً أنه سيواجه معارضة شديدة من مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وأنه قد يتعرض إلى هزيمة سياسية نكراء قد تجعله أول رئيس أميركي في التاريخ يتحول إلى "بطة عرجاء" قبل ثلاث سنوات كاملة من انتهاء عهده.
.. والفصل الأخير
وجاء الفصل الأخير الآن، حين وافق أوباما على وضع كل بيضه في سلة روسيا وسورية، بعد أن وضعها في سلة الكونغرس، من خلال موافقته على اقتراح موسكو بوضع الأسلحة الكيميائية السورية في عهدة الأسرة الدولية.
بيد أن أصغر طالب في أصغر فصل مدرسي يعرف أن مسألة تخلي النظام السوري عن أسلحته الكيميائية في مقابل وقف الضربة العسكرية الأميركية، ليس وارداً في الواقع، أو هو على الأقل يتطلب فترة زمنية مديدة. فهذه الأسلحة موزعة على 60 موقعاً في كل أنحاء سورية. ولكي يتمكن المراقبون الدوليون من وضع يدهم عليها، سيتطلب ذلك وقفاً شاملاً لاطلاق النار في البلاد. وهذا أمر يتطلب بدوره تسوية سياسية، أو في الحد الأدنى بدايات لهذه التسوية، على الصعيدين الدولي والمحلي السوري.
علاوة على ذلك، وزير الخارجية السوري وليد المعلم كان مبهماً في تعليقه على الاقتراح الروسي. فهو قال أن النظام "يرحب بهذا الاقتراح"، لكنه لم يقل أنه يوافق عليه. والفرق كبير بالطبع بين الترحيب والموافقة.
كل هذا يعني أن أوباما سمح لنفسه أن يقع في فخ روسي- سوري جديد، يبدو أن هدفه الوحيد هو إجهاض التعبئة الاميركية الراهنة للحرب، وليس تحقيق "اختراق " في الأزمة السورية كما أعلن أوباما.
والحال أن هذا الهدف بدأ يتحقق بالفعل. فمجلس الشيوخ أرجأ فوراً خطوة التصويت على القرار الإجرائي المتعلق بمناقشة طلب الإدارة تخويلها توجيه ضربة عسكرية إلى سورية. وبالتأكيد، لن يتأخر مجلس النواب، الذي تعارض غالبيته أصلاً هذه الضربة، القيام بإجراء مماثل. وكل هذا سيؤدي إلى إفقاد الولايات المتحدة ورقة الضغط العسكري الثمينة، التي كانت هي أصلاً وراء مسارعة موسكو المدهشة إلى تلقف دعوة كيري لنزع السلاح الكيميائي "خلال أسبوع".
إلى أين؟
حسنا. إلى أين الآن من هنا على الصعيدين الأميركي- الدولي والسوري؟
على الصعيد الأميركي- الدولي، سيتركز كل اللغط من الآن فصاعداً (والذي ينتظر له أن يكون صاخباً) حول مصير الزعامة الأميركية للعالم.
هنا، كانت مجلة الأيكونومسيت دقيقة للغاية حين سجّلت في افتتاحيتها لهذا الأسبوع النقاط التالية:
- فيما كان الشرق الأوسط يتحدث عن تقلّص الزعامة الأميركية للعالم، كان أحد أبرز مساعدي أوباما يقول أن الضربة العسكرية المفترضة "ستكون قوية فقط إلى الدرجة التي لن تعرضنا إلى السخرية(... )".
- التطورات الراهنة في سورية ستحدد وتعيد تعريف موقع الولايات المتحدة(ومعها الغرب) في العالم. فمع التحديات التي تفرضها روسيا وإيران، ومعهما الوزن المتزايد للصين كقوة اقتصادية وحكم سلطوي، ستكون هذه التطورات مؤشراً على مدى "إيمان الغرب" بنفسه.
- العالم بأسره يراقب مايجري الآن في أميركا حيال سورية. والأصدقاء كما الخصوم سيشكلون سلوكهم وفق محصلات اللحظة الراهنة. ولذا كان من الحيوي لأميركا أن تعمل الآن. بيد أن سلوكيات أوباما، سواء إزاء الكونغرس والرأي العام الأميركي والعالمي، لا تصب في هذه الخانة.
بالطبع، من المبكر الآن رصد السلوكيات الجديدة لروسيا والصين (وربما لأوروبا أيضاً) بعد التخبطات الأميركية الراهنة حيال سورية، خاصة وأن الرئيس الذي سيخلف اوباما لن يكون بالضرورة متردداً أو ضعيفاً مثله. لكن مايمكن قوله وبثقة أن هذه الدول الكبرى اشتمت رائحة الدم في هذه التخبطات، وستكون من الآن فصاعداً أكثر استعداداً لتحدي الزعامة الأميركية للعالم.
وماينطبق على الدول الكبرى، يسحب نفسه أيضاً على القوى الإقليمية التي ستبدأ هي الأخرى إعادة النظر في حساباتها وفي تحالفاتها الدولية، وستكون أكثر استعداداً للقيام بمغامرات في محيطها الأقليمي المباشر بهدف جس نبض التموضعات الجديدة في النظام الدولي.
هذا على الصعيد الدولي. أما في الداخل السوري، فستكون الصورة أكثر تعقيدا.
إذ في حال نجح النظام في تجنّب الضربة الأميركية، سيبذل بعدها قصارى جهده لإجهاض التحرك الدولي لنزع سلاحه الكيميائي، حتى ولو صدر قرار في هذا الشأن من مجلس الأمن الدولي. وهو هنا سيستعين، كما يقول خبير عربي بالشؤون الشرق أوسطية، بالخبرة الإيرانية المديدة في مجال التسويف والمماطلة النوويين.
هذا لايعني أن احتمال موافقة النظام السوري المبدئية على نزع سلاحه الكيميائي، لن يكون لها مضاعفات داخلية، حتى ولو أدرجت في خانة المناورة الملموسة والمحسوسة. إذ أن هذه الخطوة في حد ذاتها تعتبر تنازلاً استراتيجياً كبيراً من قِبَل النظام وتمس مباشرة مفهوم السيادة والاستقلال، الأمر الذي قد يخلق شقوقاً في جدار نظام كان متماسكاً حتى الآن.
هذا علاوة على أن أوباما "المتقلٍّب"، لايستبعد أن ينقلب مجددا على موقفه الأخيرة حيال الاقتراح الكيميائي الروسي، خاصة إذا ما أدرك (ولو متأخراً) أنه وقع في فخ جديد. هذا بالطبع إلا إذا ما كانت الدبلوماسية السرية الألمانية، التي تنشط الآن للوساطة بين روسيا وإيران وبين الولايات المتحدة، قد قطعت شوطاً من النجاح على الطريق نحو تسوية تتضمن إما تنازل بشار الأسد عن السلطة قبل انتهاء ولايته العام 2014، أو تبرئته من تهمة استخدام الأسلحة الكيميائية وتحميل شقيقه ماهر هذه المسؤولية.
على أي حال، يبدو واضحاً أن الأزمة السورية لم تدخل مرحلة جديدة مختلفة كلياً عن تلك التي كانت قبل مجزرة الغوطة الكيميائية وحسب، بل هي أدخلت العالم كله أيضاً في مرحلة جديدة . مرحلة قد يعاد النظر فيها في طبيعة الزعامة الأميركية، وحتى في معنى النظام الدولي نفسه.

سعد محيو
(*) نشر هذا المقال أمس في موقع سويس أنفو





الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

تمحضات "إيرانية ترافق "الانقلابات الأميركية" ضد الأسد



- I -
ثمة تمخضات "خفية" تجري على هامش عاصفة الضربة العسكرية الأميركية ضد النظام السوري، والتي يبدو واضحاً الآن أنها تأجلت ولم تلغ.
أبرز هذه التمخضات هي تلك التي تجري في الداخل الإيراني حيال سورية، من جهة، والاتصالات"تحت الطاولة" وفوقها بين إيران والولايات المتحدة، من جهة ثانية. وكلا هذين التطورين وثيقي الصلة ببعضهما البعض.
ففي الداخل الإيراني، يجب التوقف ملياً أمام الموقف الخطير الذي اتخذه أية الله هاشمي رفسنجاني، الرئيس السابق وأحد الأعمدة الرئيس للنظام الإيراني، حين قال (في شريط فيديو مسجّل تمت إذاعته لنفي الرواية الرسمية عن عدم دقته):" بارك الله شعب سورية الذي تعرَّض إلى هجوم بأسلحة كيمائية على يد حكومته نفسها، والذي يتعيّن عليه الآن أن يتوقع غزواً أجنبيا". كما أدان رفنسجاني انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، وبدا وكأنه يدعم التمرد الشعبي ضد الرئيس بشار الأسد.
ويقول المحلل السياسي الإيراني صادق زيبا كلام أن تصريح رفسنجاني هذا "لايعبِّر عن آراء ملايين المواطنين الإيرانيين وحسب، بل هو أيضاً لسان حال مسؤولين كبار مثل الرئيس الجديد حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف" اللذين رحبا من أعماق قلبيهما به سرا".
هذا الرأي أيدته صحيفة فايننشال تايمز النافذة، لكنه لم تربطه بالمواقف الإنسانية بل في التوجهات الاستراتيجية، إذ قالت أن الرئيس روحاني وحكومته لايريدان مواصلة دعم نظام الرئيس الأسد مالياً وعسكرياً بلا شروط، لأنهما يعتبران ذلك عقبة أمام جهودهما لكسر الطريق المسدود في المحادثات مع الدول الست الكبرى حول الملف النووي الإيراني. وهذا ماقد يفسّر اللهجة غير التصعيدية الإيرانية حيال احتمالات الضربة العسكرية الأميركية لسورية.
ويقول هنا استاذ إيراني للعلاقات الدولية، طلب عدم ذكر اسمه،:" إيران لم تعد تريد وضع كل بيضها في سلة (الرئيس) الأسد، وقد بات من المصلحة الفضلى لحكومة روحاني البحث عن بديل له". ويضيف إلى ذلك مهرزاد بوروجيردي، مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة سيراكوز:" المسألة الآن هي كالتالي: إذا ماتدهورت أوضاع الرئيس الأسد في ساحات المعارك، فمتى ستتخلى عنه طهران؟ إذا ماظهرت أدلة جديدة على أن جيش الاسد استخدم بالفعل الأسلحة الكيميائية، فهذا سيرفع إلى حد كبير الأكلاف السياسية لدعم إيران له".
- II -
هذه التطورات على الصعيد الداخلي الإيراني ترتبط بشكل وثيق، كما أشرنا، باتصالات ماتحت الطاولة بين إيران والولايات المتحدة، والتي يبدو أن سلطان عمان قابوس ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلاتمان، اللذان زارا طهران موخراً، يقومان فيها حالياً بدور ساعي البريد بين الطرفين.
 سورية باتت عنصراً رئيساً في هذا الحوار غير المباشر الأميركي- الإيراني، حيث تبدو واشنطن حريصة ألا تؤدي أي ضربة عسكرية لسورية إلى ضرب آفاق هذا الحوار، وحيث تبدي أيضاً حكومة روحاني الحرص نفسه عبر النأي بنفسها بقدر الإمكان عن بعض ممارسات النظام السوري.
لا بل ذهبت مصادر أبعد من ذلك بكثير، حين نقلت عن محللين أميركيين وإيرانيين قولهم أن إيران ربما ترحّب ضمناً بأي ضربة عسكرية أميركية محدودة لسورية، لأن ذلك سيجعل من الأزمة السورية مشكلة أميركية، بعد أن بقيت طيلة نحو سنتين ونصف السنة مشكلة ضخمة (مالية وعسكرية وإديولوجية) لطهران إلى درجة أن البعض بات يصفها بأنها "فيتنام إيران"".
ويضيف المحللون أن إضعاف النظام السوري قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل نقمة العقبة السورية أمام الحوار الإيراني - الأميركي إلى نعمة، من خلال بروز تحالف بين الطرفين ضد المنظمات الجهادية السنّية المتطرفة في سورية (وبالتالي في العراق) أسوة بما حدث بينهما في أفغانستان العام 2001.
وهذا أيضاً ما يراه كريم ساجادبور، خبير الشؤون الإيرانية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، الذي يقول:" تخوض إيران والولايات المتحدة الآن حرباً بالواسطة في سورية لن يخرج منها أحد رابحا. وإذا، أو حين، يسقط الأسد، سيبرز أمام كلا الطرفين عدو مشترك هم الجهاديون المتطرفون السنّة".
- III -
ماذا تعني كل هذه التطورات؟
أمراً واحدا:
الضربة العسكرية التي لم تتم والتي كان مقرراً أن تستمر يومين إلى ثلاثة، تحولت الآن إلى "عاصفة كاملة" جديدة، وبدأت تغيّر الكثير من ملامح الصراع في الشرق الأوسط ..حتى قبل أن تبدأ.


سعد محيو  

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

إسرائيل حول القرار الأميركي بضرب سورية: الأمر لي!




الآن وقد أرجأ الرئيس الأميركي أوباما الضربة العسكرية لسورية وأحال الأمر إلى الكونغرس الأميركي، بات القرار في يد إسرائيل كلياً بسبب سيطرتها المالية - السياسية المطلقة على الكونغرس بمجلسيه، خاصة منه مجلس النواب.
مدونة "اليوم، غدا" كانت قد نشرت في 22 آب/اغسطس الماضي مقالاً أشارت فيه بوضوح إلى أن قرار الضربة العسكرية هو فعلاً في يد إسرائيل.
نعيد هنا نشر هذا المقال كاملا:
_______________
كارثة الغوطة: أوباما بانتظار "القرار" الإسرائيلي
http://smehio.blogspot.com/2013/08/blog-post_22.html?spref=tw
Regards,
saad
- I -
أربعة احتمالات قد تفسِّر إقدام النظام السوري على استخدام أسلحة دمار شامل في الغوطة، سواء كان ذلك من خلال غاز السارين، أو مادة الكلورين الصناعية الكيميائية، أو مزيج من القذائف التقليدية والكيميائية.
الأول، أنه كان مصراً على اجتياح الغوطتين بأي ثمن، لاستكمال خططه الخاصة بإحكام السيطرة على العاصمة دمشق. وبما أنه ووجه طيلة الأشهر الماضية بمقاومة ضارية منعته من تحقيق أهدافه، لجأ إلى هذه الأسلحة الفتاكة التي أودت خلال دقائق بحياة المئات.
الثاني، أن النظام لم يكُ ليُقدم على هذه الخطوة لولا ثقته بأن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لن تتدخل بقوة رداً على هذا التصعيد. وهو بنى هذه الثقة على فشل واشنطن في منع الانقلاب العسكري في مصر ضد الإخوان المسلمين، وعلى الشلل الدولي إزاء اللااستقرار في ليبيا وتونس واليمن، هذا علاوة بالطبع على الحصانة التي توفرها له روسيا والصين في مجلس الأمن.
الثالث، أن النظام أراد إطلاق رسالة واضحة إلى كل السوريين القاطنين في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة، مفادها أنه لن يتوانى عن قتلهم بالمبيدات الكيميائية، إذا ماواصلوا لعب دور الحاضنة لهذه القوات أو حتى وقفوا على الحياد.
والاحتمال الرابع والأخير هو أن قيادة النظام فقدت قدرة السيطرة والإدارة في مراتب الجيش، أو في الميليشيات الطائفية التابعة له، فقامت فصائل منها باستخدام اسلحة الدمار الشامل من تلقاء نفسها.
- II
أحد هذه الاحتمالات، أو كلها أو معظمها، قد تفسّر لماذا يمكن للنظام أن يجرؤ على ارتكاب هذه المذبحة (التي يصنِّفها القانون الدولي في باب الجرائم ضد الانسانية)،  فيما فريق من 20 خبيراً دولياً في الأسلحة الكيميائية موجودون في دمشق على بعد خمس دقائق بالسيارة من الغوطة.
فهل تنجح رهانات النظام ويحقق أهدافها الداخلية في إرهاب السوريين، من دون أن يواجه أي عقاب دولي في الخارج؟
إذا ما انطلقنا من التوجهات الراهنة للإدارة الأميركية، سنرد سريعاً بـ"نعم". إذ أن هذه الإدارة "تقاتل" قتالاً شرساً منذ أكثر من سنتين ضد كل المطالبات لها بالتدخل لوقف المذبحة السورية. وهي كانت لاتزال على موقفها، حتى بعد أن أكدت كل معلومات مؤسساتها الأمنية والدبلوماسية أن رفضها دعم قوى المعارضة السورية المعتدلة، أدى إلى ارتفاع عدد المقاتلين الجهاديين الأجانب في سورية إلى أكثر من 20 ألف مقاتل. وهذا عدد قادر (في إطار حروب العصابات والعمليات الأرهابية) على تدمير استقرار كل منطقة الشرق الأوسط، ومعها العديد من أوجه الأمن الدولي.
لكن، إذا ماتأكد في مقبل الأيام أن النظام السوري استخدم بالفعل شكلاً من أشكال الأسلحة الكيميائية، فستكون إدارة أوباما في وضع حرج للغاية، ليس لأنها ستكون مضطرة إلى لحس تهديدات الرئيس الأميركي السنة الماضية حول عدم تجاوز الخط الاحمر الكيميائي (إذ هي لحسته ثلاث مرات في السابق)، بل لأن السكوت عنه قد يعرّض أمن إسرائيل إلى الخطر.
كيف؟ لماذا؟
لأن إدارة الظهر الدولية لهذا الأمر، سيشجع العديد من الحركات الجهادية، خاصة منها التي تضع إسرائيل على جدول أعمال استهدافاتها، على العمل للحصول على أسلحة كيميائية لاستخدامها ضد الدولة العبرية.
وهذا قد يخلق واقعاً جديداً وخطراً في موازين القوى الشرق أوسطية، لاتستطيع إسرائيل القبول به أو العيش وفق قواعده.
ولذا كان مثيراً أن يكون العنوان الرئيس لصحيفة هآرتس الإسرائيلية اليوم هو:" إسرائيل تأمل حفز أوباما على العمل، من خلال تأكيد استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية".
- III -

خلاصة غريبة، أليس كذلك؟
بالتأكيد. وهي تدل على الدرك الذي وصلت إليه العلاقات الدولية، حيث لاترى الدول الكبرى من المأساة المروعة لمئات الأطفال والنساء والشبان القتلى  في الغوطة، سوى المخاطر التي "قد" تحدق بأمن إسرائيل، وسلامة إسرائيل، وازدهار إسرائيل.

سعد محيو