للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الخميس، 18 يوليو 2013

أين أميركا من "الثورة المضادة" الخليجية؟


- I -
"الثورة المضادة" التي شنَّتها بعض دول الخليج في المنطقة العربية، بدت للوهلة الأولى وكأنها "ضربة معلِّم" في مجال الألعاب الدبلوماسية الدولية.
لكن هذا للوهلة الأولى فقط، كما سنرى بعد قليل.
فهذه الثورة جاءت في وقت لايزال فيه الجدل ساخناً في الولايات المتحدة حول الوسيلة الأنجع للحفاظ على الزعامة العالمية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وهو جدل يدور بين معسكرين رئيسيين إثنين:
الأول، يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية في العالم إلى حد كبير، والتركيز بدلاً من ذلك على "بناء الأمة" في الداخل الأميركي وعلى تطوير الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم.
والثاني، يطالب بإبقاء الاستراتيجية الكبرى الراهنة القائمة على الحفاظ على النظام الدولي الراهن بقوة السلاح الأميركي، ويحذَر من أن التخلي عن هذه الاستراتيجية والتقوقع في الداخل سيعنيان نهاية الدولار كعملة احتياط عالمية ومعه البحبوحة الأقتصادية الأميركية.
المقاربة التي يُطل بها أنصار الخيار الأول الإنسحابي على إقليم الشرق الأوسط، وفي القلب منها منطقة الخليج، تعزز في الواقع الانطباع بأنه مالم تعمد الأنظمة والأسر الحاكمة في الشرق الأوسط إلى إحداث إصلاحات سياسية شاملة في ممالكها وإماراتها وجمهورياتها، فإنها ستضع نفسها (وربما أوطانها أيضاً) في خطر ماحق، ولن يقدم الغرب على انقاذها.
ماذا يقول أنصار هذا المعسكر؟
أحد أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا. وهو نشر مؤخراً في دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليجـ على سبيل المثال:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي" (العربي)، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- على سبيل المثال، تعاني البحرين من قلاقل داخلية كبيرة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول قابلية استمرار الوجود العسكري الأميركي المتنامي هناك. وقد أثبت العراق أن محاولة تنصيب أنظمة جديدة في البلدان العربية أمر مخطيء من ألفه إلى الياء. وبالتأكيد، الدفاع عن أنظمة قائمة تواجه ثورة داخلية لن يكون أسهل بأي حال.

- II -
نص واضح؟
يفترض ذلك. وهو يجب أن يدق أجراس إنذار قوية لدى كل الأنظمة الملكية التي لاتزال تراهن على أن الغرب يمكن أن يحافظ على الصفقة التي عقدها مع الإسلام السياسي الخليجي منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم كل إنقلابات الربيع العربي.
قد يقال هنا أن باري بوسن ليس سوى صوت واحد من جمهرة أصوات في أميركا ترفض الفصل بين الصفقة الأمنية وبين التحالف السياسي بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
وهذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا الصوت المنفرد بات يصبح له أنصار كثر، خاصة وأن منطقة الخليج تمتص 15 في المئة من إجمالي النفقات العسكرية الأميركية المكلفة في العالم. كما أنه يندرج ضمن إطار تطورين إثنين:
الأول، استعداد أميركا، كما بدا مع ثورات الربيع العربي، لقلب نوعية تحالفتها مع حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، من خلال تبينها للقوى الإسلامية التي تعانق شروط العولمة الليبرالية سياسياً كما اقتصاديا (النماذج التركية والإندونيسية والماليزية.. ألخ).
والثاني، أن الاستراتيجية الكبرى الأميركية في العالم تمر هي الأخرى في مرحلة مخاض وتطوير وتبديل، بفعل تحوّل السلطة الاقتصادية والتجارية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهاديء، وهو مخاض لابد أن يترك تأثيرات جلى على منطقة الشرق الأوسط ومركزها الخليجي.

- III -
المعسكر الانسحابي له اليد العليا الآن في الولايات المتحدة. وهذا واضح من خلال سياسة نفض اليد الفعلية التي تنتهجها إدارة أوباما إزاء الأحداث الجسام في مصر وسورية. الأمر الذي يجب أن يدفع إلى قرع أجراس الانذار في دول الخليج.
لماذا؟
 لأنه يعني أن الولايات المتحدة قد لاتكون في وارد التدخل لحماية هذه الدول، في حال أدّت "الثورة المضادة" الخليجية إلى ثورات ارتجاعية ضدها في الداخل تغذيها الصراعات الإقليمية الجديدة.
وهذا بات أمراً وارداً بقوة الآن، بعد أن فجّر الربيع العربي الخلافات والاستقطابات الحادة داخل المعسكر الإسلامي في المنطقة العربية. وعلى الأخص بعد أن أدّت "الثورة المضادة" إلى مايشبه إعلان الحرب العلنية بين أطراف الإسلام السياسي.
سعد محيو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق