للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 30 مارس، 2013

"حرس امبراطوري" أميركي جديد للعالم


القوات الخاصة الاميركية: دور جديد وكبير (الصورة من غوغل


- I -

انتهى دور الحروب الإقليمية الكبيرة، وجاء دور حروب القوات الخاصة الامبرطورية.
هذه كانت الخلاصة التي خرج بها أمس الكاتب الأميركي المقرّب من البنتاغون ديفيد أغناتيوس حول الدور العسكري الجديد للقوات الأمبراطورية الاميركية، والتي تضمنت أيضاً النقاط الرئيسة التالية:
- سوكوم (وهي الحروف الأولى لقيادة العمليات الخاصة الأميركية)، بدأت بناء شبكة عالمية من القوات الخاصة تغطي معظم الكرة الأرضية، في الوقت نفسه الذي تنسحب فيه الجيوش الأميركية من ساحات معارك العقد الماضي.
-  القوات الخاصة ستكون أمضى سلاح في يد الولايات المتحدة لمكافحة الارهاب والتطرف في عالم بات إلى حد كبير بلا حدود قومية.
- في معظم الأحيان، ستعمل هذه القوات على تدريب وتسليح قوات خاصة محلية في الدول التي تعمل فيها، بهدف استخدامها وفق توجيهات قيادة سوكوم.
هذا التطور كان رداّ عملياً على السؤالين اللذين  أطلّا برأسيهما بعد تعثّر مشروع المحافظين الجدد الاميركيين في العراق وأفغانستان: هل هذه بداية النهاية لمبدأ بوش حول " الحروب الاستباقية "، وهل يعني ذلك بدء إنحسار القوة العسكرية الاميركية في العالم ؟
بيد أنه يبدو واضحاً الأن، وحتى قبل ولادة قيادة سوكوم، أن فترة  حياة  هذين السؤالين لم تتجاوز عمر الزهور. إذ سرعان ما تحركّت النخبة السياسية الحاكمة الاميركية بشطريها الديمقراطي والجمهوري للتأكيد على أن جوهر التوجهات الامبراطورية الاميركية في العالم باق على حاله، وان التغيير ( إذا ما كان ثمة تغيير ) سيقتصر على الشكل لا المضمون.
وبدورهم، المخططون العسكريون الأميركيون لم يفهموا من مأزق العراق سوى انه مناسبة لخوض الحروب بوسائل أخرى. وهكذا فأنهم يعملون الان لجعل الحروب  اكثر كثافة وفعالية  وأقل تكلفة مادية وبشرية. كيف؟  عبر التوفيق بين  " مبدأ باول " ( الداعي الى تحديد الاهداف الواضحة، وإستخدام القوة الكاسحة، وبلورة إستراتجية الخروج، قبل شن الحرب ) ، وبين " مبدأ رامسفيلد ( الذي يركّز على إستخدام قوات اميركية صغيرة تتمتع بحرية بحرية مناورة واسعة، وعلى عمليات القوات الخاصة، والقوة الجوية ذات التكنولوجيا السوبر متطورة ) .
ويبدو ان مأزق العراق سَرع  الوصول الى هذه الاستراتيجية التوفيقية.
فقد تكهّن الكاتب الاميركي براد نيكربوكر أنه من بين كل فروع القوات المسلحة، ست القوات الخاصة في الجيش البري الاميركي الاكثر تأثرا بدروس الحرب العراقية. إذ هي ستبدأ إستعدادتها للانغماس في النزاعات السياسية المعقدة، ومواجهة التمردات، وعمليات حفظ السلام، بدل التركيز على الحروب النظامية.
- II -
هل هذه التغّيرات في دور وتركيبة الجيش الأميركي ، نجمت كلها عن " دروس "  حرب العراق ؟.
كلا !.
هذه الحرب  لم تخلق هذه التغيّرات ،  بل سرّعت وتيرتها فحسب.
فبعد نهاية الحرب الباردة، إكتشفت الولايات المتحدة ان غياب العدو الرئيس الوحيد عن ساحة المعركة ( الاتحاد السوفييتي )، لم يعن تبخر التحديات التي  قد تبرز في أي مكان،  بما في ذلك الداخل الاميركي ضد المصالح والزعامة الاميركية في العالم.
وهنا ولدت إستراتيجية الامن القومي الجديدة، والتي تطلبت في الدرجة الاولى بدء تغيير الجيش الاميركي من قوة نظامية الى وحدات إمبراطورية،  شبيهة الى حد ما بوحدات الحرس الامبراطوري الروماني التي كانت تتنقل في كل انحاء العالم لقمع تمردات " البرابرة ".
الجيش الاميركي بات يطلق على نفسه الان إسم " القوة الموضوعية "، ( للتمّيز  عن القوة الذاتية النظامية السابقة ) ، وهو يضع لنفسه الاهداف الاتية :
1-     العمل على نقل فرقة عسكرية اميركية الى أي مكان في العالم خلال 96 ساعة، لأن التحديات الامنية غير المتوقعة في العالم تتطلب مثل هذه السرعة. النموذج: حرب أفغانستان .
2-     إتباع المرونة في التعاطي مع الانماط المختلفة من الحروب، حيث أن بعض  المجابهات تتطلب وحدات عسكرية كبيرة ( العراق ) ، فيما تكفي مع  بعضها الاخر  الوحدات الصغيرة ( أفغانستان ، الصومال، الفيليبين  .. ألخ ) .
3- بغض النظر عن طبيعة المهمة او المكان، يتعّين على وحدات الجيش الصغيرة التي ترسل بشكل روتيني الان الى ما وراء البحار، أن تتمتع بجهوزية  للتحرك في أي وقت، والى أي مكان.
- III -
في أي إطار يجب وضع هذا المشروع العسكري العالمي الطموح و" المستدام"  الذي تضعه أميركا لنفسها ؟.
في إطار المفهوم الإمبراطوري بالطبع.
 فعلى رغم أن بعض  الأميركيين لازال مترددا في وصف " القوة المفرطة " الاميركية على أنها إمبراطورية، إلا أن هذه التحفظات بدأت تنحسر بالتدريج لصالح ما يصفه محللون اميركيون بـ " حق الولايات المتحدة بأن تكون إمبراطورية عالمية ، بسبب قيمها ومبادئها إضافة الى قوتها "  .
هذا، على سبيل المثال، مايراه الجنرال وليان أودوم وروبرت دوجاريك ، مؤلفا كتاب " إمبراطورية اميركا غير المقصودة "، اللذان يشددان على أن الولايات المتحدة تهيمن على العالم بوسائل لم تعرفها الامبراطوريات السابقة أبدا. فالثقافة الاميركية تسيطر على كل مجالات الحياة في غالبية الدول. والقوة الاميركية هي قوة أكاديمية، وعلمية، وإقتصادية، إضافة الى كونها عسكرية. وحقيقة أن الامبراطورية الاميركية برزت من دون قرار واع من جانب زعماء اميركا السياسيين، هو ما يجعلها " إمبراطورية غير مقصودة "، لكنها في الوقت ذاته إمبراطورية  ضرورية .
لا بل يقول محللون أميركيون الان أن الامبراطورية الاميركية ليست ضرورية وحسب، بل لا غنى عنها أيضا. وهذا  هو جوهر الدراسة التي نشرها مؤخرا  المفكر الاميركي نيل فيرغوسون في دروية " فورين بوليسي  " بعنوان " عالم من دون قوة  ". فهو رسم صورة مخيفة عما  يمكن أن يحدث للعالم، إذا ما قررت الولايات المتحدة التخلي عن الزعامة  العالمية والعودة الى العزلة . وهو يرى ان البشرية ستعود حينذاك الى الحال الذي كانت عليه في القرنين التاسع والعاشر ميلادي ، الذي شهد تراجع الامبراطوريات البيزنطية والاسلامية والصينية ، وتفكك وتذرر العالم الى شظايا سياسية متحاربة  ومتقاتلة.
ويضيف ( وهنا الاهم ) ان السمة الرئيس لهذين القرنين،  اللذين إنحسرت عنهما القوة الامبراطورية ، هو غياب التوجهات العلمانية  وغلبة الصراعات الدينية على جداول الاعمال السياسية . ففي القرن التاسع، مزقّ الخلاف حول دور الايقونات في العبادة المسيحية الامبراطورية البيزنطية. وفي القرن الحادي عشر نشبت الحروب بين البابا وبين رأس الامبراطورية الجرمانية المقدسة حول من يحق له تعيين الاساقفة. وفي العالم الاسلامي حكم الائمة ورجال الدين بشكل فعلي. وقد إنتهت هذه الحقبة  بحروب مقدسة غير عادية هي الحروب الصليبية  التي دشنها الاوروبيون العام 1095 .
الرسالة هنا واضحة : من دون هيمنة الامبراطورية الاميركية على العالم، وفي غياب أي بديل أو منافس جدّي  لهذه القوة المفرطة،  سيغرق هذا العالم في ظلام قرون وسطى دامسة جديدة !.
ولتجنب هذا المصير ، سيكون على العالم الامتثال لأملاءات القوة الاميركية المفرطة ، لا بل أيضا  الترحيب بالتدخلات الاميركية في كل مكان، بما في ذلك بالطبع التدخلات العسكرية.
والحال أن جميع فئات النخب الاميركية الحاكمة تبدو مقتنعة تماما بهذه الفكرة، يستوي في ذلك الديموقراطيين كما الجمهوريين، الليبراليين كما المحافظين ، وحتى أيضا القوى اليسارية الاميركية المعادية للامبريالية التي ترى هي الاخرى ( كما في كتاب " الامبراطورية لنيغري ) أن القوة الاميركية  ليست لا إستعمارا جديدا ولا إمبريالية مستجدة ولا حتى طفرة قومية زائدة ، بل هي إمبراطورية من نوع جديد تدمج  العالم وتندمج به.
وبهذا المعنى ، تصبح اميركا هي العالم ، وتتحول قواتها الى فرق عسكرية في خدمة " إمبراطورية العولمة " ، التي هي الوجه الاخر الحقيقي للأمركة.
قد يعجب هذا الكلام بعض أنصار العولمة ، وقد يثير غضب غالبية الاطراف  التي ترفض ان تكون " خدما " في بلاط الامبراطورية الاميركية ( كما اعلن جاك شيراك قبل سنوات ). لكن هذا لن يغّير من الامر شيئا : القوة الاميركية المفرطة لن تقبل بأقل من الهمينة التامة على "حديقتها العالمية" الشاسعة.
سعد محيو


                                                                              



الخميس، 28 مارس، 2013

تقسيم المشرق سينطلق من العراق


- I -
كل الأنظار منصبّة على سورية لمعرفة أي مصير ينتظر المشرق العربي: حلول سياسية في أطر جديدة للدول- الأمم العربية الحالية، أم دويلات جديدة على أسس مذهبية وعرقية.
بيد أن مصير هذه المنطقة في الواقع سيتحدد أساساً في العراق لا سورية، على رغم الأهمية القصوى لبلاد الشام في رسم، أو أعادة رسم، خرائط الشرق الأوسط.
 لماذا العراق؟
في 8 آذار/مارس الحالي، ألقى المحلل البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر بعض الأضواء على السبب، حين ركَّز على النقاط التالية:
- التحالف الغربي، بدخوله العراق وتفكيكه، قلب موازين القوى في أكثر مناطق العالم التهابا، ليس لأنه أطاح نظام حسين، بل لأنه أوصل الأقلية الشيعية في داخل العالم الإسلامي (والتي هي أغلبية في العراق) إلى السلطة في قلب المنطقة العربية للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1171.
- وهذا، إضافة إلى أنه أسفر عن حمام دم في العراق، أشعل مجدداً نزاعاً عمره ألف سنة بين السنّة والشيعة، امتد من المشرق العربي إلى شبه القارة الهندية.
- أحداث العراق غيَّرت بالفعل مقومات المنطقة، وهي كانت أخطر بكثير من مضاعفات حرب السويس العام ،1956 لأنها أعطت زخماً لكل ألوان وأنواع الحركات الإسلامية.
- II -
تحليل دقيق؟
أجل. لكن، يجب ان نضيف إليه عاملاً آخر لايقل أهمية.
فأرض العراق في الواقع رأس جسر ممتازاً ونموذجياً لتفجير العالم الأسلامي من داخله، لأنها كانت المسرح الرئيس للمأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين. كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيس بين العثمانيين والصوفيين طيلة قرنين من الزمن ( العراق آنذاك  كان يصبح صفوياً فارسياً في الشتاء، وسنّياً تركياً في الصيف! ) .
القسمة الدموية السنية – الشيعية انطلاقاً من العراق منذ غزوه العام 2003، حققت، وستحقق أكثر، جملة أهداف إستراتيجية غربية  دفعة واحدة. فهي شطرت الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين. وهي جعلت إيران في حال صدام ليس مع أميركا وحسب، بل (مجدداً ) أيضاً مع تركيا وباقي اطراف الغالبية السنّية في العالم الإسلامي. وبالطبع، حين تحاصر جمهورية الخميني على هذا النحو، لن يطول الوقت ( مجدداً أيضاً ) قبل ان تبدأ البحث في وقت ما عن حلفاء لها في الغرب. وهذا بالتحديد  ما فعله الصفويون طيلة القرنين 18 و19.
وأخيرا، حروب السنّة والشيعة قد تقلب صورة الصراع مع إسرائيل رأسا على عقب. ويكفي للتدليل على ذلك تخيلّ، مثلاً،  مصير مواجهة " حزب الله " المصيرية مع إسرائيل، إذا ما جرّه الغرب الى صراعات طائفية مع السنّة في لبنان وسوريا.
- III -

لكل هذه الأسباب، ماسيجري في العراق سيكون هو، واكثر من سورية، من سيحدد المسار الذي ستتجه إليه الأمور في الهلال الخصيب العربي.
وهذا الذي يجري الآن، وسيجري غدا، لا ينبىء بكثير من الخير:
- فالسياسات الطائفية التي مارستها حكومة المالكي، قبل الانسحاب الأميركي وبعده، بدأت تؤتِ أكلها الآن: شعور كبير بالامتعاض والتهميش بين العرب السنّة، الأمر الذي يهدد بتحويل حركاتهم الاحتجاجية الراهنة إلى تمرد مسلح في أي لحظة، شبيه بذلك حدث العام 2003.
- كما أن فشل الحكومة في تحقيق أي نوع حقيقي من المصالحة السياسية،  وتلبية حاجات السكان الاجتماعية والتنموية، وتسوية القضايا العالقة في مجالات النفط والأراضي المتنازع عليها، كل ذلك جعل "الحل الأمني" يفرض نفسه كمقاربة حكومية وحيدة للأزمات الراهنة. وإذا ماوضعنا في الاعتبار الخلل الديمغرافي- الطائفي الراهن في تركيبة قوات الجيش وأجهزة الأمن لغير صالح السنّة، فقد لايكون من الخطأ الاستنتاج بأن تفاقم الأوضاع في المحافظات السنيّة سيؤدي في نهاية المطاف إلى فشل النموذج العراقي الراهن لإعادة بناء الدولة- الأمة.
- والآن، دخلت الحرب الأهلية السورية على خطوط الصدع العراقية الجديدة لتكون بمثابة الصاعق الذي قد يفجّر بلاد العباسيين مرة أخرى، وربما أخيرة. فحكومة المالكي، بسماحها بتحوُّل العراق إلى ممر للمساعدات الإيرانية للنظام السوري، خلقت الظروف الملائمة لتقاطع مصالح السنّة العراقيين مع ثورة السنّة السوريين. وهذا ما دفع العديد من العشائر السنيّة العراقية، ناهيك بالطبع بالحركات الإسلامية المتطرفة إلى رفع شعار: اليوم دمشق وغداً الزحف على بغداد.
- IIII -
رب متسائل هنا: كيف يمكن أن يكون انقسام العراق هو المدخل لتقسيم المشرق؟
حسنا. الصورة تبدو بسيطة وواضحة: الحرب الأهلية العراقية الجديدة، في حال نشوبها، ستؤدي إلى انفصال المحافظات السنيّة الأربع عن الكيان العراقي، وربما انضمامها إلى الأردن في إطار مملكة أردنية هاشمية جديدة. وهذا بات أمراً وارداً بقوة بعد أن أعاد الرئيس الأميركي أوباما خلال جولته الشرق أوسطية الجديدة إحياء المحور التركي- الإسرائيلي- الأردني الشهير، الذي سيتحوِّل في وقت قريب إلى الوكيل الحصري الإقليمي الجديد للباكس أميركانا في الشرق الأوسط.
هذه المملكة الهاشمية الجديدة ستقيم بالطبع علاقات وطيدة مع المحافظات السنيّة السورية، سواء في شكل فيدرالي أو تنسيقي، في حال انهارت الدولة السورية الراهنة. وحينها سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام قيام دولة علوية على الساحل السوري لها امتدادات شيعية في داخل لبنان، فضلاً عن تقسيم لبنان نفسه إلى دويلات طائفية مسيحية ودرزية وسنّية وشيعية.
هل تبدو هذه المحصلات مغالية في التشاؤم؟
ربما.
لكن التطورات التي تجري في المشرق العربي هذه الأيام، لاتوحي بشيء من التفاؤل.
وحين يكون الأمر على هذا النحو، لايعود من المفيد إطلاق نعوت التفاؤل أو التشاؤم على السيناريوهات المحتملة لما ستؤول إليه الأمور، بل تصبح المسـألة مجرد تحليل علمي لاحتمالات علمية.
والعراق الآن هو المدخل الأول والرئيس لهذا التحليل وتلك الاحتمالات.

سعد محيو




الأربعاء، 27 مارس، 2013

أي "تفاهم" تركي- إسرائيلي مُحتمل في سورية؟


- I -
فيما كانت كل الأنظار متجّهة نحو القمة العربية في الدوحة لمعرفة المنحى الجديد الذي سستسير إليه الأمور في بلاد الشام في ضوء منح المعارضة مقعد سورية في الجامعة العربية، كان ثمة أحداث جلل أخرى من وراء الستار تتوالى فصولاً وتنبىء بانقلاب جذري في موازين القوى في الشرق الأوسط.
أردوغان- نتنياهو: أي نقاهمات؟ (الصورتان من غوغل


نقطة إنطلاق هذه الأحداث: المصالحة التركية- الإسرائيلية المفاجئة، والتي كان الدافع إليها دافعان: أحدهما ضمني والآخر علني.
الدافع الضمني جاء بحفز من الولايات المتحدة التي أرادت (خلال جولة الرئيس أوباما الشرق أوسطية الأخيرة) أن تدفع أنقرة وتل أبيب إلى التفاهم، بدل التنافس، كي يشكلا معاً "وكالة إقليمية مشتركة" للباكس أميركانا في المنطقة. وهذا بالطبع في ضوء الاستراتيجية الأميركية الجديدة القاضية بـ"الاستدارة شرقاً" ( Pivot) نحو منطقة آسيا- الباسيفيك، التي تتطلّب تقليص الألتزامات الأميركية في باقي أنحاء العالم.
والدافع العلني هو الأحداث المتدهورة بسرعة في سورية، والتي ستتطلب من أنقرة وتل أبيب تنسيقاً سريعاً لمنع تداعياتها على أمنهما القومي.
والواقع أن الأولوية السورية في جدول أعمال المصالحة التركية- الإسرائيلية كانت واضحة في تحليلات معظم المصادر الغربية. وهذه عينات منها:
- فايننشال تايمز: "كان من الصعب التغلب على العدواة الشخصية الكبيرة بين نتنياهو وأردوغان، لكن حالة السيولة الراهنة في الشرق الأوسط دفعتهما إلى إظهار مرونة فاجأت الكثيرين. وبالتالي، المصالحة بينهما ستمهد الطريق أمام تعاون أكبر بينهما في سورية المجاورة".
- روس ويلسون، السفير الاميركي السابق لدى أنقرة:" أردوغان أحد أكثر الشخصيات السياسية براغماتية. فهو قد يتخذ مواقف صلبة إن لم يكن متطرفة، ومع ذلك فهو لايتردد في القيام بخطوات من شأنها ترقية مصالح تركيا. وهذا ما فعله بمصالحته نتنياهو: إنه أزال مشكلة كبيرة تعترض العلاقات الأميركية- التركية وكانت تعيق قدرة الرئيس أوباما على التعاطي بحصافة مع أنقرة. أردوغان الآن  بات في موقع يمكنه من توسيع بنود لائحة احتمالاته في سورية".
- نيويورك تايمز: نجاح أوباما في إعادة الحرارة إلى العلاقات التركية- الإسرائيلية سيساعد منطقة متضعضعة على مواجهة الحرب الأهلية السورية. فإسرائيل وسورية لدرهما مروحة واسعة من المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية وكلتاهما مهتمتان بما يتكشف من أوضاع في سورية.
- II -
لكن، على أي صيغة يمكن أن يرسي عليها التفاهم التركي - الإسرائيلي حيال سورية، والتي ستحظى (في حال إقرارها) بالدعم والمباركة الأميركيين؟
ينبغي التوضيح، أولاً، إلى أننا لن نرى في الغالب أي إشارة علنية إلى مثل هذه الصيغة في وسائل الإعلام، بسبب الحساسية التي تثيرها أي مشاركة إسرائيلية في تطورات الشرق الأوسط. كل ما سيجري سيحدث سراً، تماماً مثل التفاهمات التي أبرمتها تل أبيب مع الرئيس حافظ الأسد (المعروفة باسم "الخطوط الحمر") العام 1976والتي تم بموجبها تقاسم النفوذ بين إسرائيل وسورية في لبنان.
الأمر نفسه متوقّع الآن بين أنقرة وتل أبيب، لكن هذه المرة في سورية.
كيف؟
حسنا. يجب أن نتذكّر هنا التصريح الشهير الذي أطلقه رامي مخلوف في بداية الثورة السورية، والذي أعلن فيه أن "أمن النظام السوري وإسرائيل مترابطان". كما يجب أن نتذكّر أن التفاهمات السرية بين أركان النظام السوري وبين السلطات الإسرائيلية وفّرت "سلاماً بارداً" في مرتفعات الجولان المحتلة دام نيفاً وأربعين سنة.
وهذا يعني أن إسرائيل لديها أقنية اتصال عديدة مع معظم أركان النظام السوري الراهن، خاصة وأنها شكّلت طيلة السنتين الماضيتين شبكة الحماية الأساسية للنظام من خلال نفوذها الكبير على الإدارة والكونغرس الأميركيين.
أكثر من ذلك، إذا ماقررت النخبة العلوية الحاكمة إقامة دويلة خاصة بها في المناطق الساحلية، فالأرجح أن ترفض إيران دعم هذا المشروع لاعتبارات الأمن القومي الخاصة بها، وأيضاً لاعتبارات إديولوجية إسلامية. وكذا الأمر بالنسبة إلى تركيا وبقية دول المنطقة. وهذا ماسيترك إسرائيل بصفتها الضامن الوحيد لهذه الدويلة.
في الجانب التركي، بات واضحاً أن أنقرة أصبحت اللاعب الأساسي في أوساط الأغلبية السنّية السورية لاعتبارات شتى حدودية ولوجستية وإقليمية- دولية. وهي قادرة من هذا الموقع على توفير الغطاء لأي تفاهمات مع تل أبيب حول مستقبل النظام السوري.
- III -

أين دور الدول العربية في إطار هذا التموضع الاستراتيجي التركي- الإسرائيلي؟
الدور موجود بالطبع، خاصة وأن السعودية وقطر هما الممولتان الرئيستان للمعارضة المسلحة السورية. لكن الدور العربي سيتقزم إلى حد كبير إذا ماتبلور التفاهم التركي- الإسرائيلي في صيغة محددة لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط بإشراف أميركي، وإذا ما نجح هذا التفاهم في إرساء أطر "حل مشترك" للأزمة السورية.
إذ حينها سيكون الدور العربي مجرد رجع صدى لما يجري في كواليس أنقرة وأبيب، ومعهما حليفهما القديم الجديد: الأردن.

سعد محيو






الاثنين، 25 مارس، 2013

حزب الله أمام الخيار النهائي: "اللبننة" أو الانتحار



- I -
نصر الله أمام الخيار الأخير (الصورة من غوغل
استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ومعها الأزمة السياسية والخلط الشديد في الأوراق اللذين رافقاها، ستضع حزب الله أمام خيارين متناقضين من "التخندق":
الأول، هو ترك الأزمة السياسية على الغارب، والتركيز على المسألة الأمنية، عبر استكمال سيطرته على المؤسسات العسكرية وفي مقدمها فرع المعلومات المهم في قوى الأمن الداخلي. وأيضاً عبر التكشير عن أنيابه الأمنية في الداخل اللبناني، في خضم مواصلة اندفاعته الراهنة الداعمة عسكرياً للنظام السوري.
والثاني، هو التخندق السياسي. أي "لبننة" نفسه والعمل على  تحصين مواقعه الإقليمية، من خلال إبرام صفقة داخلية سياسية وطنية تكون له بمثابة بوليصة تأمين ضد الاعتصار الإقليمي الهائل الزاحف نحوه من كل جانب.
- II -

لكل من هذين "التخندقين" منطقه ومبرراته.
فالتخندق الأمني تمليه التطورات المتسارعة التالية على الصعيد الإقليمي:
- الانقلاب الاستراتيجي الاخير الذي وُلِد من رحم المصالحة التركية- الإسرائيلية الأخيرة، والذي سيقلب المعادلات الإقليمية في الشرق الأوسط رأساً على عقب. وهذا ماقد يتجلى سريعاً خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة في سورية، التي يبدو أنها شكّلت الدافع الأول للمصالحة بين هاتين القوتين الإقليميتين الكبيرتين.
وفي حال تحقق "الوفاق" التركي- الإسرائيلي سريعاً حيال سورية مابعد الأسد (وهو مايبدو فعلاً في الأفق)، فسيجد حزب الله نفسه مكشوفاً تماماً استراتيجياً، وسيكون بالفعل الهدف الثاني لهذا الوفاق بعد نظام الأسد، في حال قرر مواصلة السباحة مع الرئيس السوري الغارق.
- إضافة إلى بعث الوفاق التركي- الإسرائيلي من رقاده، هناك جهود مكثفة الأن لإعادة إطلاق المحور الأردني- التركي- الإسرائيلي، الذي كان (إضافة إلى مصر السادات- مبارك) دعامة كل الباكس اميريكانا في الشرق الأوسط. وبالطبع، إذا ما أطبق هذا المحور بشكل مشترك على سورية، فيما تنجح أميركا في منع عراق- المالكي من مواصلة تمرير المساعدات الإيرانية إلى الأسد عبر أجوائه (كما حاول جون كيري أمس في بغداد)، فإن أيام الأسد ستكون بالفعل معدودات.
وحينها، سيتعيّن على حزب الله أن يحسم أمره نهائياً: هل سيقف أم لا إلى النهاية مع نظام الاسد بعد السقوط أو الانهيار المتوقع للنظام في دمشق، من خلال الاستراك معه في إقامة دويلة علوية في الساحل السوري، تكون لها امتدادات جغرافية في الجغرافية الشيعية اللبنانية؟
- III -

هذا عن التخندق الأمني.
أما منطق التخندق السياسي فهو يقوم على أن الحل الأمني للحزب سيكون انتحاراً حقيقياً وعلى كل الصعد، خاصة وأن من محصلاته مشاركة الحزب في تقسيم سورية وفي إقامة دولة علوية سيكون راعيها الحقيقي إسرائيل وليس إيران بسبب دواعي الجيوسياسة والأمن والأكلاف الاقتصادية.
هذا الخيار، الذي يمكن أن يتجسّد سريعاً في حكومة وحدة وطنية حقيقية، تنأى بالنفس حقيقة عن الأزمة السورية وتبلور إعلان بعبدا- 2 الوفاقي، سيضع الحزب عملياً في كنف الحماية الدولية الراهنة للكيان اللبناني بدل أن يكون في عين عاصفة النظام السوري المنهار، وسيوفّر في الوقت نفسه للحزب فرصة إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني بما يتطابق مع انجازات الطائفة الشيعية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
على أي الخيارين ستقع قرعة الحزب اللذين، كما هو واضح، خيار واحد في الواقع بين اللبننة أو الانتحار؟
يُقال أن ثمة انقسامات عميقة داخل الحزب حول هذه المسألة. ويُقال أيضاً أن هذا الانقسام موجود أيضاً في طهران، حيث يخشى العديد من المسؤولين الإيرانيين أن يؤدي استمرار سباحة حزب الله مع سفينة الأسد الغارقة، إلى خسارة أهم انجازات السياسة الخارجية للثورة الإسلامية الإيرانية: حزب الله نفسه، ومعه النفوذ الإيراني داخل الطائفة الشيعية اللبنانية.
وإلى أن يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذه التمخضات داخل الحزب، والتي أدت ليس فقط إلى إرجاء مؤتمره العام بل أيضاً إلى إحداث شرخ جديد بين شيعة الجنوب وشيعة البقاع، سيبقى حزب الله معلقاً في الهواء في منزلة بين منزلتي البقاء أو الانتحار.

سعد محيو- بيروت


الأحد، 24 مارس، 2013

تركيا وإسرائيل نحو تقرير مصير نظام الأسد



- I -
في 20-3 -2013، عاكس موقع "اليوم،غدا" كل التوقعات حول افتقاد جولة الرئيس الأميركي أوباما الشرق أوسطية إلى أي مضمون أو نتائج  سياسية متوقعة، وأورد التالي:
\أردوغان ونتنياهو: وكالة اقليمية مشتركة؟(الصورة من غوغل

"مهما كانت نتائج جولة أوباما سلبية في مايتعلق بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية والصراع العربي- الإسرائيلي العام، إلا أنها لابد أن تتضمن حيثيات استراتيجية حول مستقبل التحالف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة في ضوء منحى "الاتجاه شرقاً نحو آسيا/الباسيفيك( Pivot) الذي تبنته إدارة أوباما، والذي سيتطلب تقليص الأعباء الأميركية في الشرق الأوسط وزيادة مساهمات حلفائها الإقليميين فيها، خاصة تركيا والسعودية، إلى جانب إسرائيل.
"بكلمات أوضح، سيكون على جدول أعمال مباحثات أوباما- نتنياهو مسألة تحديد الدور الإسرائيلي في هذا التوجّه الجديد، سواء في إطار العلاقات مع تركيا الأطلسية أو في سياق السياسات إزاء إيران.
"في النقطة الأولى، يتوقّع أن يضغط أوباما لإصلاح ذات البين بين أنقرة وتل أبيب، لأن التنسيق بين هذين الطرفين سيكون ضرورياً للغاية على المدى القريب لملء أي فراغ قد تتركه الاستدارة الأميركية نحو أسيا".
- II -

لماذا تذكُّر هذه  الملاحظة الآن؟
ليس حتماً للاحتفاء بإصابة هدف تحليلي على نحو دقيق، بل للإشارة إلى أن جولة أوباما الشرق أوسطية، بما تضمنته من مصالحة بين تركيا وإسرائيل بإشرافه، كانت فعلاً بمثابة انقلاب استراتيجي، ومن الطراز الرفيع أيضاً، ستكون له آثار ضخمة على مستقبل التوازنات الإقليمية في المنطقة.
أولى وأهم هذه الآثار، وقف التنافس بين هاتين القوتين الإقليميتين على مواقع النفوذ في نظام الشرق الاوسط، ثم الانتقال من هناك لتشكلا معاً "الوكالة الإقليمية المشتركة" الجديدة للمصالح الأستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة.
وهذا سيكون حقاً تطوراً جللاً حيال في موازين القوى الشرق أوسطية، خاصة إذا ما نجحت واشنطن لاحقاً في وضع أسس وقواعد وآفاق التحالف التركي- الإسرائيلي الجديد أو المتجدد.
الساحة الاولى والرئيس المتوقعة لعمل هذا التحالف، ستكون في سورية.
لماذا سورية؟
لأنها حالياً البؤرة المتفجرة الأخطر في الشرق الأوسط، ولأن كلاً من تركيا وإسرائيل تملكان نفوذاً ضخماً، كل من جهتها، على طوائف سورية معيّنة، الأمر الذي يمكنهما (إذا ما اتفقتا) على لعب دور رئيس في تحديد مصير ومآل الأزمة السورية الراهنة. ولكي لايبقى كلامنا هذا مجرد تكهنات في الهواء، فلنقرأ معاً ما تقوله المصادر الغربية حيال هذه النقطة:
- فايننشال تايمز: "كان من الصعب التغلب على العدواة الشخصية الكبيرة بين نتنياهو وأردوغان، لكن حالة السيولة الراهنة في الشرق الأوسط دفعتهما إلى إظهار مرونة فاجأت الكثيرين. وبالتالي، المصالحة بينهما ستمهد الطريق أمام تعاون أكبر بينهما في سورية المجاورة".
- روس ويلسون، السفير الاميركي السابق لدى أنقرة:" أردوغان أحد أكثر الشخصيات السياسية براغماتية. فهو قد يتخذ مواقف صلبة إن لم يكن متطرفة، ومع ذلك فهو لايتردد في القيام بخطوات من شأنها ترقية مصالح تركيا. وهذا ما فعله بمصالحته نتنياهو: إنه أزال مشكلة كبيرة تعترض العلاقات الأميركية- التركية وكانت تعيق قدرة الرئيس أوباما على التعاطي بحصافة مع أنقرة. أردوغان الآن  بات في موقع يمكنه من توسيع بنود لائحة احتمالاته في سورية".
- نيويورك تايمز: نجاح أوباما في إعادة الحرارة إلى العلاقات التركية- الإسرائيلية سيساعد منطقة متضعضعة على مواجهة الحرب الأهلية السورية. فإسرائيل وسورية لدرهما مروحة واسعة من المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية وكلتاهما مهتمتان بما يتكشف من أوضاع في سورية.
- III -

سورية، إذا، ستكون المحطة الاولى التي سيسير نحوها القطار المشترك التركي- الإسرائيلي الذي دشّن أوباما انطلاق رحلاته قبل أيام.
وهذا سيغيّر الكثير من قواعد اللعبة في بلاد الشام، خاصة إذا ما توصلت أنقرة وتل أبيب إلى تفاهمات ما على مرحلة ما بعد الأسد. وهذا لم يعد أمراً صعباً الآن، بعد أن اقتنع نتنياهو على مايبدو بأن مواصلة الدفاع عن نظام الأسد في دوائر القرار الأميركي لم يعد مجدياً بسبب فشل هذا الأخير في احتواء الثورة ضده.
هل اتضحت الآن ملامح وأبعاد الانقلاب الاستراتيجي الكبير الذي حققته جولة أوباما الشرق أوسطية؟
يفترض ذلك!

سعد محيو






تركيا وإسرائيل نحو تقرير مصير نظام الأسد



- I -
في 20-3 -2013، عاكس موقع "اليوم،غدا" كل التوقعات حول افتقاد جولة الرئيس الأميركي أوباما الشرق أوسطية إلى أي مضمون أو نتائج  سياسية متوقعة، وأورد التالي:
أردوغان ونيتنياهو: وكالة اقليمية مشتركة؟ (الصورة من غوغل

"مهما كانت نتائج جولة أوباما سلبية في مايتعلق بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية والصراع العربي- الإسرائيلي العام، إلا أنها لابد أن تتضمن حيثيات استراتيجية حول مستقبل التحالف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة في ضوء منحى "الاتجاه شرقاً نحو آسيا/الباسيفيك( Pivot) الذي تبنته إدارة أوباما، والذي سيتطلب تقليص الأعباء الأميركية في الشرق الأوسط وزيادة مساهمات حلفائها الإقليميين فيها، خاصة تركيا والسعودية، إلى جانب إسرائيل.
"بكلمات أوضح، سيكون على جدول أعمال مباحثات أوباما- نتنياهو مسألة تحديد الدور الإسرائيلي في هذا التوجّه الجديد، سواء في إطار العلاقات مع تركيا الأطلسية أو في سياق السياسات إزاء إيران.
"في النقطة الأولى، يتوقّع أن يضغط أوباما لإصلاح ذات البين بين أنقرة وتل أبيب، لأن التنسيق بين هذين الطرفين سيكون ضرورياً للغاية على المدى القريب لملء أي فراغ قد تتركه الاستدارة الأميركية نحو أسيا".
- II -

لماذا تذكُّر هذه  الملاحظة الآن؟
ليس حتماً للاحتفاء بإصابة هدف تحليلي على نحو دقيق، بل للإشارة إلى أن جولة أوباما الشرق أوسطية، بما تضمنته من مصالحة بين تركيا وإسرائيل بإشرافه، كانت فعلاً بمثابة انقلاب استراتيجي، ومن الطراز الرفيع أيضاً، ستكون له آثار ضخمة على مستقبل التوازنات الإقليمية في المنطقة.
أولى وأهم هذه الآثار، وقف التنافس بين هاتين القوتين الإقليميتين على مواقع النفوذ في نظام الشرق الاوسط، ثم الانتقال من هناك لتشكلا معاً "الوكالة الإقليمية المشتركة" الجديدة للمصالح الأستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة.
وهذا سيكون حقاً تطوراً جللاً حيال في موازين القوى الشرق أوسطية، خاصة إذا ما نجحت واشنطن لاحقاً في وضع أسس وقواعد وآفاق التحالف التركي- الإسرائيلي الجديد أو المتجدد.
الساحة الاولى والرئيس المتوقعة لعمل هذا التحالف، ستكون في سورية.
لماذا سورية؟
لأنها حالياً البؤرة المتفجرة الأخطر في الشرق الأوسط، ولأن كلاً من تركيا وإسرائيل تملكان نفوذاً ضخماً، كل من جهتها، على طوائف سورية معيّنة، الأمر الذي يمكنهما (إذا ما اتفقتا) على لعب دور رئيس في تحديد مصير ومآل الأزمة السورية الراهنة. ولكي لايبقى كلامنا هذا مجرد تكهنات في الهواء، فلنقرأ معاً ما تقوله المصادر الغربية حيال هذه النقطة:
- فايننشال تايمز: "كان من الصعب التغلب على العدواة الشخصية الكبيرة بين نتنياهو وأردوغان، لكن حالة السيولة الراهنة في الشرق الأوسط دفعتهما إلى إظهار مرونة فاجأت الكثيرين. وبالتالي، المصالحة بينهما ستمهد الطريق أمام تعاون أكبر بينهما في سورية المجاورة".
- روس ويلسون، السفير الاميركي السابق لدى أنقرة:" أردوغان أحد أكثر الشخصيات السياسية براغماتية. فهو قد يتخذ مواقف صلبة إن لم يكن متطرفة، ومع ذلك فهو لايتردد في القيام بخطوات من شأنها ترقية مصالح تركيا. وهذا ما فعله بمصالحته نتنياهو: إنه أزال مشكلة كبيرة تعترض العلاقات الأميركية- التركية وكانت تعيق قدرة الرئيس أوباما على التعاطي بحصافة مع أنقرة. أردوغان الآن  بات في موقع يمكنه من توسيع بنود لائحة احتمالاته في سورية".
- نيويورك تايمز: نجاح أوباما في إعادة الحرارة إلى العلاقات التركية- الإسرائيلية سيساعد منطقة متضعضعة على مواجهة الحرب الأهلية السورية. فإسرائيل وسورية لدرهما مروحة واسعة من المصالح المشتركة الأمنية والاقتصادية وكلتاهما مهتمتان بما يتكشف من أوضاع في سورية.
- III -

سورية، إذا، ستكون المحطة الاولى التي سيسير نحوها القطار المشترك التركي- الإسرائيلي الذي دشّن أوباما انطلاق رحلاته قبل أيام.
وهذا سيغيّر الكثير من قواعد اللعبة في بلاد الشام، خاصة إذا ما توصلت أنقرة وتل أبيب إلى تفاهمات ما على مرحلة ما بعد الأسد. وهذا لم يعد أمراً صعباً الآن، بعد أن اقتنع نتنياهو على مايبدو بأن مواصلة الدفاع عن نظام الأسد في دوائر القرار الأميركي لم يعد مجدياً بسبب فشل هذا الأخير في احتواء الثورة ضده.
هل اتضحت الآن ملامح وأبعاد الانقلاب الاستراتيجي الكبير الذي حققته جولة أوباما الشرق أوسطية؟
يفترض ذلك!

سعد محيو






الجمعة، 22 مارس، 2013

ماذا بين الأسد والمالكي وعبد الله ونصر الله؟



- I -
هنري كيسينجر اعتاد أن يقول: سوء الطالع التاريخي قد يلازم بعض الأمم، تماماً كما يفعل مع بعض الأشخاص منكودي الحظ.

هذه المقولة تبدو منطبقة بحذافيرها هذه الأيام على أربع دول دفعة واحدة في منطقة الهلال الخصيب: العراق، سوريا، الأردن، ولبنان.
ففيما تتعرّض هذه البقعة الاستراتيجية التي تعتبر (إلى جانب مصر) قلب الشرق الأوسط وأحد المفاتيح المهمة لقارة أوراسيا، إلى أعاصير جامحة تهدد بنسف خرائط الأنظمة والكيانات والأوطان التي رُسِمت العام 1905 بين سايكس وبيكو، تحتل مواقع السلطة في الدول الأربع شخصيات سياسية، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تفتقر إلى أي حس تاريخي، أو أي إدراك للأبعاد الاستراتيجية لما يجري.
ففي العراق، وعلى رغم السلطات الواسعة التي حصدها نوري المالكي من خلال مد سيطرته إلى الجيش ومؤسسات الدولة السيادية والعديد من الأجهزة الأمنية، لايزال يتصرّف كسياسي عادي في ظرف عادي، لاهم له سوى تحصين مواقعه في السلطة، واللعب على التناقضات بشتى أنواعها، ومحاولة إعادة إنتاج النظام السلطوي الصدّامي السابق.
أبرز مؤشر على ذلك كان مافعله رئيس الوزراء العراقي مباشرة بعد إتمام الانسحاب الأميركي من البلاد. فهو بدلأ من أن يسارع إلى طرح برنامج وطني شامل يوحّد في إطاره شعث المجتمعين العراقيين السياسي والطائفي - العرقي، عمد إلى الانقضاض فوراً على منافسيه من السياسيين السنّة، معتقداً أن الوقت بات مناسباً لمركزة السلطة في يده.
والحصيلة؟
أنها جلية الآن: بدل أن يسيطر المالكي على زمام الأمور، أفلتت هذه الأمور من يده في المحافظات السنّية الأربع وفي كردستان وبعض المناطق الشيعية، وعاد العراق برمته ليرقص مجدداً على إيقاع موسيقى التقسيم والتفتيت التي تعزفها الآن بصخب  الحرب الأهلية السورية المدمّرة.
وهكذا، كان المالكي الرجل غير المناسب، في المكان غير المناسب، وفي الوقت غير المناسب.
- II -
في سورية، يبدو أمر القيادة السياسية أسوأ بكثير.
فالرئيس بشار الأسد اعتقد أنه تقمّص شخصية والده حافظ حين استل هذا الأخير سيف الحسم الأمني لمواجهة تمرد الإخوان المسلمين في أوائل الثمانينيات، وحقق استقرار نظامه بعدها طيلة ثلاثة عقود.
لكن بشاراً نسي أن حافظ قد مات، وماتت معه ظروف نجاحه. فسورية تغيّرت من بلد صغير لايتعدى سكانه الستة ملايين نسمة إلى بلد كبير يفوق تعداده الـ22 مليون نسمة، جلّهم من أعضاء الطفرة الشبابية (Youth bulg ) الباحثة عن العمل ولقمة العيش والكرامة. كما نسي أيضاً أن العالم تغيّر بعد ثورات الربيع العربي، ولم يعد التحالف التاريخي بين وكالة المخابرات الأميركية (السي. أي. آي) وبين النخب الديكتاتورية كافياً للحفاظ على النظام والسلطة.
الرئيس السوري الشاب يعيش فعلاً في حالة سايكولوجية منغلقة على ماضٍ يستحيل إحياءه.ولذا، فهو، وعلى رغم خسارته لثلاثة أرباع الأرض السورية وعلى رغم تراقص الوطن السوري نفسه على شفير الهاوية، لايزال يتصرف وكأن لحظة انتظار أبيه العام 1982 آتية لامحالة.
وهكذا، الأسد الآن هو السياسي المخطيء، في الزمان المخطيء، والمكان المخطيء.
في الأردن، نحن أمام نموذج آخر لايقل تعقيدا.
فالملك عبد الله الثاني، وبدلاً من تحصين المجتمع الأردني عبر الإصلاحات السياسية الحقة كي يعبر بسفينة الأردن مضائق التسوناميات العربية الصاخبة، عمد مؤخراً إلى فتح النار على الجميع: من قادة مصر وتركيا وسورية، إلى أعضاء أسرته الحاكمة، وأجهزة مخابراته، وطال الأمر حتى العشائر التي تشكل الضمانة الأولى والأخيرة لنظامه.
لا أحد عرف سبب هذا التخبط الغريب والمغالي في "لاسياسيته". لكنه على أي حال يشير إلى أحد أمرين: إما أن الملك ليس قادراً على ركوب الامواج الإقليمية العاتية الحالية، فربما قرر أن يمهّد للخروج من السلطة (ربما لصالح شقيقه حمزة)، أو أنه يتشبَّه بالمالكي في مجال سوء الحسابات وكالأسد في غيبوبته الزمنية.  وكلا الاحتمالين يتنافسن على مستوى درجة السوء.
في لبنان، قد لايبدو حسن نصر الله، الحاكم الفعلي حالياً للبلاد، في موقع مقارنة مع القادة الثلاثة سالفي الذكر، بسبب تمسكه بمبدأ التوازنات وتجنّب الانفجارات الكبرى بأي ثمن.
بيد أن هذه السياسة الحصيفة بدأت تبدو أكثر فأكثر حصيفة على الورق فقط لا على أرض الواقع.
صحيح أن نصر الله دعم سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية. لكن الصحيح أيضاً أنه بدأ يرتكب خطايا استراتيجية كبرى، ليس فقط لأنه انغمس بكثافة في الحرب إلى جانب نظام سوري متهاوٍ، بل أولاً وأساساً لأنه لم يتحرك بوصة واحدة نحو التسوية السياسية الوحيدة التي يمكن أن تنأى بلبنان بالفعل عن الكارثة الإقليمية السورية: تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة وجامعة، قادرة وحدها على منع تحوّل التفجيرات الأمنية المتوقعة إلى مجابهات أهلية واسعة.
- III -

ما القاسم المشترك بين هؤلاء القادة الأربعة؟
إنه غياب "الكاريزما" الاستراتيجية- التاريخية، التي كان يفترض أن تدفعهم إلى العمل كرجال دولة يرون الغابة الكاملة التي تختفي وراء الشجرة: غابة الفتنة الكبرى-2 الشيعية- السنّية التي تعمل الآن العديد من القوى الدولية والإقليمية على إشعال أوارها، ومعها مشاريع تقسيم دول الهلال الخصيب إلى دويلات سنّية وشيعية وعلوية ومسيحية وكردية.. ألخ.
إنه حقاً سوء حظ تاريخي.
سعد محيو
_________________




الأربعاء، 20 مارس، 2013

هل ثمة مفاجآت يحملها "الحاج" أوباما؟



- I -
هل صحيح أن جولة الرئيس الأميركي أوباما التي بدأت اليوم في الشرق الأوسط "لاطعم لها ولارائحة"، عدا تلاوين "الحج" إلى الأراضي المقدسة؟
  " الحاج أوباما" في إسرائيل: ماذا وراء الأكمة؟ (الصورة من غوغل"

هذا الرأي رائج بكثافة، ليس فقط في إسرائيل والضفة الغربية والأردن التي سيزورها أوباما، بل حتى في الداخل الأميركي الذي يعتبر (على رغم التأييد الكاسح لإسرائيل فيه) أن الأولويات الداخلية الأميركية أهم حتى خطب ود اليهود الإسرائيلييين.
ومما قد يفاقم من انطباع "اللاطعم واللارائحة"، أن الرئيس الأميركي سيمضي قدراً جيداً من الوقت في زيارات سياحية تشمل قبر تيودور هيرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، والمتحف المتضمن وثائق البحر الميت، وجامعة إسرائيلية حيث سيلقي خطاباً هناك (وليس أمام الكنيست).
وتعتقد فايننشال تايمز أن جولة أوباما ستركّز بالدرجة الأولى على فتح أقنية إتصال وتواصل مع اليهود الإسرائيليين الذي يعتقد معظمهم أنه "لايحب  الدولة العبرية"، إلى درجة أن 10 في المئة منهم فقط رحبوا بزيارته.
- II -

حسنا. كل ذلك صحيح.
لكن، ومهما كانت نتائج هذه الزيارة سلبية في مايتعلق بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية والصراع العربي- الإسرائيلي العام، إلا أنها لابد أن تتضمن حيثيات استراتيجية حول مستقبل التحالف الأميركي- الإسرائيلي، خاصة في ضوء منحى "الاتجاه شرقاً نحو آسيا/الباسيفيك( Pivot) الذي تبنته إدارة أوباما، والذي سيتطلب تقليص الأعباء الأميركية في الشرق الأوسط وزيادة مساهمات حلفائها الإقليميين فيها، خاصة تركيا والسعودية، إلى جانب إسرائيل.
بكلمات أوضح، سيكون على جدول أعمال مباحثات أوباما- نتنياهو مسألة تحديد الدور الإسرائيلي في هذا التوجّه الجديد، سواء في إطار العلاقات مع تركيا الأطلسية أو في سياق السياسات إزاء إيران.
في النقطة الأولى، يتوقّع أن يضغط أوباما لإصلاح ذات البين بين أنقرة وتل أبيب، لأن التنسيق بين هذين الطرفين سيكون ضرورياً للغاية على المدى القريب لملء أي فراغ قد تتركه الاستدارة الأميركية نحو أسيا.
أما في النقطة الثانية، فسيكون على أوباما إقناع نتنياهو بأنه مايريده هذا الأخير حرباً، وهو ضعضعة النظام الإيراني ووقف برنامجه للتسلح النووي، يمكن تحقيقه سلماً عبر الخنق الاقتصادي والتدمير الاستراتيجي لمواقع نفوذه في المنطقة العربية.
وهنا ستطل الأزمة السورية برأسها، بصفتها إحدى الوسائل الرئيسة لـ"إعادة الذئب" الإيراني إلى داخل حدوده حيث قد يختنق بأنفاسه (وفق تعبير ميترنيخ عن نابليون). لكن عملية الاقناع ستكون هنا معكوسة: إذ يتوقع أن يواصل نتنياهو رفض إسقاط نظام الأسد بعد أن أمضيا معاً 40 سنة في سرير زوجي ناجح، وأن تشديد رامي مخلوف على ترابط أمن إسرائيل بأمن النظام السوري الراهن لايزال صحيحا؛ فيما سيحاجج أوباما بأن الضرورات الإيرانية من وراء إطاحة الأسد تفوق المحظورات الإسرائيلية الخاصة بخسارة حليف غير معلن ولكن موثوق،.

- III -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، بوضوح، أن جولة أوباما الشرق أوسطية لن تقتصر فقط على العلاقات العامة، والجولات السياحية، والزخارف الإعلامية، بل ستكون لها أبعاد استراتيجية ستظهر نتائجها في وقت قريب.
لا بل أكثر: التركيز المتوقّع للرئيس الأميركي على وقوف بلاده إلى جانب الإسرائيليين في تصديهم لمخاوفهم الأمنية الجديدة في المنطقة، سيكون في الواقع تمهيداً سايكولوجياً لما هو استراتيجي: إعادة رسم خريطة النظام الإقليمي الشرق أوسطي، في إطار سياسة الاستدارة شرقا.
وفي مثل هذه الخريطة، ينتظر أن يبقى دور إسرائيل بارزاً، وواضحاً، وكبيرا.

سعد محيو