للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الجمعة، 22 فبراير 2013

هل ثمة نهاية للحرب بين العلم والإيمان؟


- I -
من تسنى له قراءة كتاب فرانسيس كولينز، رئيس الفريق الذي فك رموز التركيبة الجينية البشرية، المعنون " لغة الله"، سيتبادر إلى ذهنه فوراً فكرة واحدة: عظمة الجهود التي بذلها فلاسفة الحضارتين الإسلامية والآسيوية الشرقية لمصالحة الفلسفة والشريعة، أو العلم والدين.
العلم والإيمان: متى يلتقي القطبان؟( اللوحة من غوغل
 
الفارابي وإين سينا وإبن رشد وإين طفيل، والمعتزلة والأشعرية، والفلاسفة البوذيين والتاويين والفيديين،  كلهم خاضوا غمار مغامرة إنسانية رائعة للتوفيق بين العقل والإيمان. وها هو كولينز بعد ألف عام من هذه الإشعاعات الشرقية المشرقة يسير على الدرب نفسه، معلناً أن الإيمان بالله يمكن ان يكون خياراً منطقياً وعقلياً بالكامل" ، وان " الإيمان مكَمل لمباديء العلم" .
هاتان المقولتان تبدوان بديهتين في الشرق. لكنهما تعتبران في الغرب ثورة كبرى، لانه منذ ان أثبت كوبرنيقوس أن الأرض تدور حول الشمس لا العكس، ومنذ محاكمة غاليليو الشهيرة امام محكمة التفتيش الكنسية، وجد المنهج العلمي الغربي نفسه في حالة صدام مروَع مع المسيحية.
ماذا في جعبة كولينز، الذي يعتبر الان أشهر عالم في العالم؟
- II -

إنه يقول أن الجينوم البشري الذي يتألف من الحمض النووي لجنسنا، أي الشيفرة الوراثية للحياة، يتكون من نحو 3 مليارات حرف مكتوبة بلغة غريبة ومشفَرة، وهي برأيه "تعطينا لمحة سريعة عن عقل الله".
هو لاينفي نظرية داروين حول التطور والإنتخاب الطبيعي، لكنه يقول أنه يؤمن بـ" التطور الإلهي" الذي يعتبر الإنتخاب الطبيعي هي الوسيلة التي قرر فيها الله خلق الإنسان.
وهو يشَدد على أن التوفيق بين وجهتي النظر العلمية والدينية ليس مستحيلاً، او بأنه أشبه بمحاولة إجبار قطبي المغناطيس على التواجد في مكان واحد، كما يقول الكثيرون. فالغالبية الساحقة من البشر تؤمن بوجود الله، لكن هذا لايمنعها من إستخدام اختراعات العلم مثل السيارة والطائرة والكومبيوتر والكهرباء، ومن الإستماع إلى التقارير حول توقعات الطقس .
كولينز لايعتقد فقط أن التوفيق بين النهجين ممكن فقط بل هو ضروري أيضاً. يقول: "ليس هناك تناقض بين أن يكون المرء عالماً عقلانياً وبين أن يؤمن بالله. فالعلم هدفه إستكشاف الطبيعة، والإيمان هدفه إستكشاف العالم الروحي الذي  لاتستطيع ادوات العلم الوصول إليه. فالعلم يقف لاحول له  ولاقوة أمام أسئلة مثل " لماذا بزغ الكون إلى الوجود؟ " و "ما معنى الوجود البشري" و"ماذا يحدث بعد موتنا؟. ومثل هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى الإيمان بوجود قوة إلهية لايحدها الزمان أو المكان او المادة. قوة تهتم شخصياً بالجنس البشري".
بالطبع، ليس كولينز فريد عصره بين العلماء في إعلان إنحيازه للإيمان بوجود الله. فإسحق نيوتن، الذي أعاد إكتشافه لقوانين الجاذبية تشكيل فهمنا للكون، قال: "  هذا النظام( الكوني) الأكثر جمالاً،  لايمكن أن يصدر سوى عن كائن قوي وذكي". وألفرد إينشتاين، الذي أحدث ثورة في كيفية إطلالتنا على مسائل الزمان والمكان والجاذبية وتحَول المادة إلى طاقة، كان يؤمن بأن للكون خالقاَ، وأن مقاربة كيفية تفكير الله هو الاهم" والباقي تفاصيل".
بيد ان تميَز كولينز عن رفاقه العلماء هو انه يريد، وبإلحاح، إنهاء " الصراع التاريخي الدامي" بين العلم والإيمان. فهل ينجح؟
- III -

المهمة تبدو صعبة للغاية في غرب يتخندق فيها العلميون والمؤمنون في جبهتين يفصل بينهما نهر من نار. وهو سيتعرض، بل بدأ يتعرَض، إلى إطلاق نار غزير من كلا الطرفين. فالعلميون يتهمونه بخيانة قوانين العلم بسبب دمجه ما هو مادي يمكن التحقق منه بالتجربة، بما هو روحي غير خاضع إلى لتجربة والتمحيص. والمؤمنون يدينونه بـ" تهمة" الإعتراف بنظرية التطور التي يعتبرونها " أكبر واخطر كذبة في العصور الحديثة" ، على رغم انه إعتبر التطور " أداة الله في الخلق ".
وربما يفعل كولينز خيراً إذا ما إستنجد بفلاسفة الإسلام. فالفارابي وإبن سينا سيوفران له الحجج  عن عدم تناقض الشرع( إقرأ الأيمان) والفلسفة( إقرأ العلم)، وإبن طفيل سيَدله على الكيفية التي تدير فيها العناية الإلهية عملية التطور. هذا في حين أن مجادلات فرق المعتزلة والأشعرية والمرجئة والقدرية والجبرية، ستزوده بكل ما يحتاجه من أسلحة فكرية لخوض معركته التوفيقية الصعبة.
حظاً سعيداً كولينز، مع دعوات فلاسفة الإسلام والشرق الآسيوي لك بالتوفيق، على رغم أنهم هم أيضاَ تعرضوا قبلك إلى صليات تكفيرية أكثر عنفاً وظلامية!

سعد محيو

                                                                               

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق