للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 19 يناير 2013

حرب أميركية وشيكة على إيران.. بـ"وسائل أخرى"



- I -
أميركا لاتريد حرباً مع إيران، لكن هل إيران تريد سلاماً مع أميركا؟

سنأتي إلى الشق الثاني من السؤال بعد قليل.
قبل ذلك إشارة إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد "هجوماً دبلوماسياً" أميركياً كاسحاً على بلاد الخميني، بعد أن يستكمل الرئيس أوباما جهاز إدارته الجديد، إذا ما أقر مجلس الشيوخ تعيين كيري وزيراً للخارجية، وهاغل وزيراً للدفاع ، وبرنيان مديراً للسي. أي. آي.
فكل هؤلاء الرجال الثلاثة يعارضون شن الحرب على إيران، ويدعون إلى التفاوض معها لإيجاد حل سلمي لأزمة برنامجها النووي، وأيضاً لمعضلة نفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط. وكلهم وجّه انتقادات لاذعة إلى إسرائيل بسبب الضغوط التي تمارسها على أوباما لحمله على امتشاق سيف الحسم العسكري.
هذا التوجُّه في العلاقة مع إيران لايتعلق بإيران وحدها، بل هو جزء من استراتيجية أميركية جديدة قررت إدارة أوباما انتهاجها، تستند ليس إلى الانسحاب من العالم (كما يعتقد البعض)، بل إلى أن تحذو إدارة أوباما- 2 تحذو حذو كل الإدارات الأميركية قبل حقبة الحرب الباردة التي لم تكن تتدخل في الحروب والصراعات، إلا بعد أن تستنزف الدول الأخرى نفسها فيها، وإلا بعد أن تجد أميركا مصلحة لها في التدخل. حدث هذا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى في حرب فيتنام التي لم تخض أميركا غمارها إلا بعد أن انهزمت فرنسا أمام الحركة الشيوعية العالمية.
إدارة أوباما تريد الأن أن تكرر هذا التاريخ. فهي، ولأهداف أخرى تتعلق بتسوية أوضاعها الاقتصادية الداخلية والتركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك، تسعى إلى وقف حربها المباشرة على الإرهاب أو الإسلام المتطرف، وإلقاء مسؤولية ذلك على الأطراف الإقليمية والدولية المعنية أو التي لها مصلحة في هذه الحرب. وهذا ينطبق الآن، مثلاً، على فرنسا التي لها مصالح اقتصادية ضخمة في مالي والجزائر وباقي أجزاء امبراطوريتها السابقة في إفريقيا، وعلى الهند واليابان لمواجهة القوة الصينية الصاعدة، وعلى الحركات الإسلامية التي تستلم السلطة الآن في المنطقة العربية بشرط أميركي هو ضرب الإسلام الجهادي أو المتطرف.
كما أنه ينطبق بالدرجة الأولى على حليفها الأوروبي. فهي تقول الآن للاتحاد الأوروبي أنها مستعدة لأخذه معها في رحلتها الباسيفيكية وفي تشكيل سوق مشتركة أطلسية، شريطة أن يبدأ الاتحاد بدفع أعباء حلف الأطلسي (أميركا تتحمل الآن 75% من أكلافه).
أميركا، بكلمات أخرى، قررت العودة إلى ممارسة دور "المايسترو" في السياسات الدولية، على أن تترك للقوى الأخرى خيار المشاركة في الأوركسترا بإشرافها. ومثل هذا التوجه لن يكون انحساراً استراتيجيا اميركا، ولا ولادة لتعددية قطبية جديدة، بل حربا أميركية أخرى.. بوسائل أخرى.
- II -
هذه النقطة الأخيرة يجب أن تفهمها إيران جيداً لئلا تقع في تقديرات مخطئة قاتلة: فإدارة أوباما لن تمد إليها يد الحوار لأنها امبراطورية منهارة تريد لملمة أغراضها بهدوء والانسحاب من العالم، بل لأنها باتت أكثر عقلانية وحذاقة ودهاء من إدارة بوش.
وبالتالي، مالم ينجح الهجوم الدبلوماسي المتوقع في تحقيق أهدافه، لايجب حينها استبعاد أن يليه عمل عسكري ضد إيران قد تشارك فيه هذه المرة كل دول العالم.
- III -

نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: هل إيران مستعدة للسلام مع أميركا؟
إذا ماوضعنا الاقتصاد الإيراني، الذي يترنح بقوة الآن على شفير الانهيار بفعل العقوبات الدولية والفساد وسوء إدارة السياسات الاقتصادية واستنزاف الحرب السورية، في الاعتبار سنقول أن من مصلحة النظام حتماً قبول اليد الأميركية الممدودة حفاظاً على وجوده نفسه.
بيد أن هذا سيتطلب منه (النظام) حسم صراعاته الداخلية أولاً حيال العلاقة مع أميركا وأوروبا، وهو أمر ليس بالسهل إذا ماتذكرنا أن ثمة قوى عديدة في السلطة تستفيد اقتصادياً من عملية المجابهة مع الغرب، وأن قوى أخرى ترفض أساساً أي حوار مع أميركا انطلاقاً من اعتبارات إيديولوجية دينية.
وإذا ما عنى هذا الأمر شيئاً، فإنه يعني أن الهجوم الأميركي المرتقب ستكون له مضاعفات ضخمة على الداخل الإيراني، بالقدر نفسه الذي ستكون له تأثيرات ضخمة أخرى على المواقف الدولية والإقليمية من إيران في حال أدارت ظهرها لـ"الصفقة الكبرى" التي قد تطرح عليها.
وكل هذا سيدفع إلى إعادة النظر في المعادلة التي أشرنا إليها في البداية. فأميركا التي لاتريد الحرب مع إيران، قد تجد في نهاية المطاف أن حلولها السلمية نفسها ستقودها إلى الحرب (في حال فشلت إيران في قبولها).
حصيلة غريبة؟
كلا. فالحرب على أي حال، كما يقول كلاوسفيتز، هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

سعد