للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 30 سبتمبر 2012

ما هو الإسلام الليبرالي، وما علاقته بالغرب؟ (2 من 2)






" اننا مسلمون لكننا ليس الاسلام نفسه. اننا لا نحتكر الدين. والديمقراطية كما نفهمها تعني التعددية وحق الاختيار والحرية"- عباس مدني
- I -
تساءلنا بالأمس: ما هو الإسلام السياسي الليبرالي، وما علاقته بالغرب؟
الواقع أن الليبرالية في الاسلام والليبرالية في الغرب يتقاسمان عوامل مشتركة، لكنهما ليسا الشيء نفسه. فكلاهما قد يدعم التعايش في التعددية الدينية، على سبيل المثال، لكن كل بطريقته الخاصة.
وفي داخل الخطاب الاسلامي نفسه، هناك ثلاثة محاور يدعوها الباحث الاميركي أنطوني كوردسمان :
n      الشريعة الليبرالية.
n      شريعة الصمت
n      شريعة الاجتهاد

الشرعة الليبرالية تجادل بان القرآن الكريم والسنة النبوية تحضّان على الممارسات الليبرالية. وعلى سبيل المثال، ينطلق المفكر الاسلامي التركي علي بولا من الآية الكريمة "لكم دينكم ولي دين"، وكذلك من "وثيقة المدينة" بين النبي محمد وبين اليهود، ليقول أن الاسلام في جوهره يعزز التعددية ضمن الوحدة. لا بل هو منارة التوجهات التعددية.
وينحو المفكر الماليزي تشاندرا مظفر المنحى نفسه، فيستند الى آيات قرآنية عديدة ليخرج منها بحصيلة هامة وهي أن الاسلام يعادي كل أنواع التمييز في العلاقات بين الاديان والمذاهب. وبالتالي أي ممارسات تمييزية تعتبر لا أسلامية، "إذ لا يمكن أن يكون هناك تمييز يستد الى الدين في النظام الاسلامي"، على حد تعبيره.
شريعة الصمت تقول ان التعايش ليس منصوصا عليه في الشريعة، لكنه مسموح به. وهي تجادل بأن الشريعة تصمت حيال بعض القضايا، ليس لأن الوحي كان ناقصا بل لأنه ترك عن عمد بعض القضايا كي يختار بينها البشر.
وعلى سبيل المثال، يقول الاسلامي الهندي همايون كبير ان السوابق التي حدثت في الفترات المبكرة للاسلام، لاتنطبق بشكل فوري على الفترات الللاحقة. فالوضع تغيّر مع انتشار الامبراطورية الاسلامية السريع في مناطق شاسعة من آسيا،  والعديد من المشاكل العملية برزت ، وتعي!َن على الفكر الاسلامي ان يجد مكانا للرعايا غير المسلمين في الدولة الاسلامية. وهذا أدى في الهند، مثلاً، الى ادانة الاكراه في الدين والى احترام كل الاديان الاخرى.
وبالمثل، يعتبر الاندونيسي عبد الرحمن وحيد، رئيس اكبر منظمة اسلامية في العالم، الدستور الاندونيسي اكثر ملاءمة من دولة اسلامية حصرية، لأنه يتوافق مع التعدد الثقافي في اندونيسيا المعاصرة.  كتب يقول: "ثمة حاجة لاتخاذ خطوات كي نقاوم تدهور العلاقات بين مختلف الاديان في اندونيسيا، والخطوة الاولى نحو ذلك تكمن في الدفاع عن الحريات الديمقراطية". وبادىء ذي بدء، يجب استعادة الاحترام المتبادل بين اصحاب مختلف الانتماءات، استنادا الى المبادىء القانونية الاساسية المتعلقة بحرية التعبير (حتى بالنسبة للاقليات الصغيرة جدا) ، وحكم القانون والمساواة امام الدستور.
وهكذا، فان النقطة الجوهرية الأولى في الاسلام الليبرالي تشدد على ان الشريعة تتطلب الديمقراطية، فيما تقول شريعة الصمت انها تسمح بها. ووفقا لهذا الرأي "الدين مقدس، لكن تفسيراته بشرية وتنتمي الى هذا العالم" ،  كما يقول الاسلامي الايراني عبد الكريم سوروش، الذي يضيف :
"ان النص ليس حيزا منفصلا او معزولا عن غيره ، وهو لايحمل معناه على كتفه، بل يحتاج الى ان يوضع في سياق. والنصوص الدينية ليست استثناء هنا. ولذلك ، فتفسيرها يخضع للتوسع او التقلص وفقا للافتراضات التي تسبقها او الاسئلة الى تثيرها. اننا ننظر الى الوحي في مرآة التفسير، تماما كما ينظر العالم الى الخلق في مرآة الطبيعة. وهذا يمهد الطريق امام الديمقراطية الدينية والتوحيد التجاوزي للاديان استنادا الى التعددية الدينية".
ويستند المفكر الاسلامي الجنوب افريقي ، فريد ايزاك، الى نص لعلي بن ابي طالب يقول فيه ان النصوص الدينية ليس لها لسان وتحتاج الى تفسيرات والمفسرون هم البشر،  ليقول ان هذا كان في اساس التعددية في الاسلام.
وبالمثل، يقول المفكر المصري حسن حنفي انه ليس هناك تفسير واحد للنص، بل تفسيرات عدة بسبب الاختلافات بين سائر المفسرين. وبالتالي فان أي تفسير للنص هو بالضرورة تعددي ، وكل تفسير يعبر عن التزامات   المفسّر الاجتماعية – السياسية".
- II -

تحولات تاريخية


يلاحظ كوردسمان عن حق ان قلة من هؤلاء المفكرين الذين اوردنا اقوالهم قرأوا اعمال بعضهم البعض. وهذا يدل على ان المواقف الليبرالية تظهر بشكل مستقل في كل انحاء العالم الاسلامي. وهذا الظهور المتزامن ناجم عن تحولات تاريخية خلال العقود الاخيرة.
من هذه التحولات انتشار التعليم العالي الذي كسر احتكار المؤسسات الدينية التقليدية للدراسات الدينية. فملايين المسلمين لهم الآن مداخل على النصوص والتعليقات من غير ان يكونوا رجال دين، مثل المهندسين (السوري محمد شحرور والايراني مهدي بازركان) والفلاسفة (الجزائري – الفرنسي محمد أركون، التونسي راشد الغنوسي) وعلماء اجتماع (مثل الايراني على شريعتي والماليزي تشاندرا مظفر).
وقد اسفر انتشار الانترنت الى تمكين أي كان من البحث بنفسه عن مصادر الشريعة والتدقيق بتفسيراتها المختلفة. هذا اضافة الى الاستنارة بآراء مفكري الثقافات الاخرى.
وهكذا فان الاسلامي الاندونيسي نور شوليش مجيد يدافع عن حرية الفكر وحرية التعبير ويعتبرهما اهم مدخل الى الحقيقة، استنادا الى نصوص للنبي محمد وايضا للقاضي الاميركي اوليفر هولمس.
وقد برز التأثير الواضح للتكنولوجيا في حفز التغيير في العالم الاسلامي، من خلال الضجة التي اثيرت عبر اثير الانترنت بعد اعتقال نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق أنور ابراهيم، الذي ترافق انتقاله من الحركات الاسلامية الراديكالية الى الحركات الاسلامية الاصلاحية والليبرالية مع اعتماده المتزايد على نصوص من وليام شيكسبير ومن رواد ثقافات اخرى. لقد بدأ ابراهيم حياته السياسية في حركة دينية راديكالية جعلت الماليزيين من اصل صيني  هدفا للعداء. لكنه في السنوات الاخيرة اصبح داعية من دعاة التعايش الديني في كل من ماليزيا والعالم.
ويقول ابراهيم هنا : "ان تجربة الاسلام المعاصر في جنوب شرق آسيا، لديها الكثير لتقوله ليس فقط للمسلمين في المناطق الاخرى بل ايضا للعالم ككل. وهذا يعود الى الحقيقة بان المسلم الملتزم في جنوب شرق آسيا يمارس دينه في اطار عالم تعددي حقا. وفي ماليزيا على وجه الخصوص لا يغيب عن بال مسلم ابدا حقيقة وجود اديان اخرى واناس ينتمون الى هذه الاديان.
ثمة عامل آخر ساهم في صعود الاسلام الليبرالي، هو فشل الايديولوجيات البديلة. وعلى وجه الخصوص بدا ان هناك شعورا متزايدا بان الانظمة العربية والاسلامية لم تحقق وعودها. فالسودان وباكستان، على سبيل المثال، اثبتا انهما لا يقلان فسادا عن الانظمة الاخرى بعد ان ارتدت حكومتهما الحلّة الاسلامية. كما ان حكم طالبان في افغانستان يثير رعب معظم المسلمين، فيما النظام السلفي الانغلاقي السعودي يعاني هو نفسه من أزمات عنيفة بسبب تضاربه الصارخ مع معطيات العصر الحديث: فهو عالق في زمن القرن الثالث عشر بينما المجتمع المدني ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين
ولعل خيبة الامل الرقم واحد لدى "الاصوليين" الاسلاميين كانت ايران. فالثورة الايرانية العام 1979 اثارت كبار الآمال بين المسلمين في ماليزيا وافريقيا وفي كل انحاء العالم الاسلامي. وقد كان يفترض ان تكون ايران منارة الحركات الاسلامية بوصفها اول محاولة منذ القرن السابع الميلادي لأقامة مجتمع اسلامي مثالي. ولذا كان مؤلما لهؤلاء الناس ان يجدوا حلمهم وقد تبدد هباء منثورا.
وثمة امثلة اخرى عن خيبات الامل المؤلمة، وعن المحصلات الليبرالية التي تولدت منها.
خذوا مثلا نموذج عبد الكريم سوروش، وهو الرجل الذي صفق بحماسة للجمهورية الاسلامية في سنواتها الاولى وشارك في اعادة التنظيم الثورية للجامعات في ايران التي تضمنت تصفية العديد من كبار الاساتذة تحت شعار النقاء الديني.
لكن في اواسط الثمانينات بدأ سوروش يبتعد عن اللجان الثورية التي ساهم في تأسيسها، بعد ان بدأ يشعر ان الثورة لم تدشن حقبة جديدة من العدالة والحق، فاطلق الحملات للمطالبة باعادة تفسير القانون الاسلامي وللسماح بالحريات الاكاديمية والفكرية.
وهكذا انقلب سوروش في التسعينيات الى واحد من اهم نقاد النظام استنادا الى خلفيات ليبرالية. وهكذا ايضا فان الثورة الاسلامية في ايران لم تساهم (عن غير قصد بالطبع) في توليد الافكار الليبرالية وحسب، بل هي ضربت حتى ذاكرة المثل الاسلامية.
- III-

حصار الليبرالية الاسلامية


على رغم ان هناك مسلمين يجدون قواسم مشتركة مع الليبراليين الغربيين، الا ان الاسلام الليبرالي ليس بدون خصوم. فالبعض يدعي بان الاسلام الليبرالي "غير اصيل" ، او انه اختراع غربي ولا يعكس التقاليد الاسلامية "الحقيقية، كما في كتاب " حقيقة الليبرالية وموقف الأسلام منها"  لمؤلفه د.عبد الرحيم بن صمايل السلمي.
وكما هو معروف، الحركات الاصولية المتشددة كانت تنمو كالفطر عالميا طيلة ربع القرن المنصرم. وهذا لا يقتصر على الاسلام بل على كل الاديان الاخرى كالهندوكية في الهند والقبلية في افريقيا التي ادت الى المذابح الاخيرة.
واحدى المميزات الحاسمة لهذا الاهتمام المتجدد بالاصولية هي الفكرة بان في وسع المرء الادعاء يان ثقافته مستقلة ومعزولة ومتفوقة على الثقافات الاخرى ، كما ان لها حدودا واضحة.
ولأن الاسلام الليبرالي له اهتمامات مشتركة مع الليبرالية الغربية، فان الاصوليين لا يعتبرون اجتهاداته "اصيلة" او اسلامية. وبالطبع مثل هذه المعارضة تتجاهل التاريخ الطويل من الاستعارات الثقافية والنفوذ الفكري الذي عبر الحدود في اتجاهين بين الاسلام والغرب.
والحال ان ادانة الاسلام الليبرالي بانه غير اصيل، تقود مباشرة الى رفض التسامح معه سواء كان على حق او باطل. وهكذا فان الاسلامي البريطاني غاي ايتون يصف الاسلاميين الليبراليين بانهم "العم طوم" ، وهو تعبير يستخدمه الاميركيون الافريقيون لوصف الشخص الاسود الخانع امام البيض.
اضافة ، الجهل الغربي يفرض تحديا آخر على الاسلام الليبرالي. فلقرون عدة طوّر الغرب صورة عن الاسلام بوصفه "الآخر" السيء والشرير. وقد تمت مطابقة الايمان الاسلامي مع التعصب، كما مع فولتير، والسلطة السياسية الاسلامية مع الاستبداد، كما مع تعبير "الاستبداد الشرقي" الذي وضعه مونتسكيو، والتقاليد الاسلامية مع التخلف والبدائية كما مع ارنست رينان الذي قال : "ان الاسلام هو النفي الكامل لأوروبا. وهو مناف للعلم وقامع للمجتمع المدني. انه البساطة السامية الساذجة التي تقيّد العقل وتُطبق على كل الافكار الرقيقة وكل البحث العقلاني."
وبالطبع يتعين على الغرب وضع هذا التحيز جانبا، ويجب ان يفهم بشكل افضل الفروقات داخل الحركات الاسلامية إذا ما أراد للعالم الإسلامي أن يستقر ويسير على درب التفتح الليبرالي والتقدم.
وابرز مثال على ذلك هو التاريخ الحديث للجزائر ، حيث كانت جبهة الخلاص الاسلامي منقسمة الى اجنحة راديكالية وليبرالية. وخلال انتخابات 1991 و1992 كانت اليد العليا للتيار الليبرالي. وقد ادلى زعيمه عباس مدني بسلسلة تصريحات هدفها تبديد مخاوف الجزائريين والغربيين من نوايا جبهة الخلاص،  مثل قوله ان "التعددية هي ضمانة الثروة الثقافية والتنوع ضروري للتطور. اننا مسلمون لكننا ليس الاسلام نفسه. اننا لا نحتكر الدين. والديمقراطية كما نفهمها تعني التعددية وخق الاختيار والحرية."
لقد فازت جبهة الخلاص بـ81 بالمائة من الاصوات في الجولة الاولى من عمليات الاقتراع واوشكت على الوصول الى السلطة حين قام الجيش الجزائري بدعم من فرنسا والولايات المتحدة بحظر الجبهة واعتقل زعمائها.
والحصيلة كانت تهاوي مواقع الليبراليين داخل الحركة الاسلامية بسبب تمسكهم بقواعد الديموقراطية، وسيطرة الجناح الراديكالي الذي عمد حتى الى تصفية النشطين الاسلاميين الليبراليين الذين اعترضوا على الارهاب.
لقد كان عجز الغرب عن الايمان ان ثمة شيئا اسمه الاسلام الليبرالي كارثة محققة.
فهل يستمر هذا العجز الان ليقود الى كارثة أخرى ، ناسفا بذلك كل الورود الليبرالية التي تتفتح الان في الشرق الاسلامي في حقبة الربيع العربي؟

                                                                       سعد


السبت، 29 سبتمبر 2012

من تونس إلى السعودية: النصر سيكون لـ"الإسلام الليبرالي"

من تونس إلى السعودية:
النصر سيكون لـ"الإسلام الليبرالي"


- I -
خطوط المعركة الجديدة في المنطقة العربية ارتسمت وانقضى الأمر: إسلام سياسي ليبرالي، ديمقراطي، منفتح على الحريات والتعددية، في مقابل إسلام سياسي استبدادي (في الدولة والمجتمع)، وديكتاتوري، ومنغلق على كل ما له علاقة ليس فقط بالحرية والتعددية بل أيضاً بالابداع العلمي والتكنولوجي والتجدد الفكري والثقافي.

دور المرأة كبير في المعركة بين "الاسلامين السياسيين".- الصورة من غوغل

هذان الإسلامان السياسيان لهما في آن خلفية تاريخية وحديثة تدعمهما:
فالإسلام الليبرالي يجد مرجعيته في الحقبتين الذهبيتين الأولى (الخلفاء الراشدون) والعباسية، اللتين شهدتا ذروة الصعود الإسلامي المنفتح على العالم والفاتح له استناداً إلى مبدأي " لا إكراه في الدين"، و"لكم دينكم ولي دين"؛ والإسلام المنغلق يجد أساسه في فكر إبن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي ومحمد بن عبد الوهاب اللذين بدءا إصلاحين وانتهيا إلى العنف التكفيري والتكسيري، وإلى ضرب كل مظاهر التفتح العلمي والثقافي والاجتماعي (خاصة في ما يتعلق بالحقوق الإنسانية للمرأة التي اعتبرها هذا الفكر عدواً شيطانيا) وحتى التفتح الروحي.
أما الخلفية الحديثة، فقد توزعت أطيافاً ومشاربَ: فالرئيس الروسي بوتين، الخائف أبداً من تأثيرات الإسلام الإنغلاقي السعودي على خاصرته الطرية في شمال القوقاز وآسيا الوسطى، يتشاطر مع المحافظين الجدد الأميركيين والليكوديين الإسرائيليين الدعوة إلى حرب حضارات شاملة مع كل الإسلام؛ فيما الديمقراطيون الأميركيون يرون التلاوين في العالم الأسلامي بين المعتدلين والمتطرفين ويراهنون على الأوائل.
وعلى الصعيد الإقليمي، تشكِّل مملكة السعوديين، بقيادة شكلية من شبكة رجال الدين الوهابيين من ذوي المصالح المادية الخاصة، رأس حربة الثورة المضادة على الإسلام الليبرالي والربيع العربي في المنطقة، فيما تعتبر تركيا نفسها، ويعتبرها الكثيرون، نموذجاً للإسلام الديمقراطي المنفتح والتعددي.
الأضواء هذه الأيام، خاصة بعد الفيلم المسيء للإسلام، مصلتة على الإسلام الإنغلاقي والمتطرف بسبب أعمال العنف التي يقوم بها من تونس وليبيا إلى باكستان وإندونيسيا، ما عزز وجهة نظر البوتينيين والمحافظين الجدد والوهابيين بأن اليد العليا ستكون للإسلام السياسي المتطرف.
بيد أن هذا، موضوعيا، أبعد مايكون عن الحقيقة. فالإسلام الانغلاقي مجرد أقلية تحمل أبواقاً صداحة لتوحي بأنها كثرة. والإسلام الليبرالي يتقدم الصفوف في كل مكان تقريبا. وهذا لم يبدأ مع ثورات الربيع العربي بل قبل ذلك بكثير. وهنا اهميته الفائقة.
كيف؟
- II -

ثمة  في الواقع حدث ضخم كان يجري تحت سطح الشرق الاوسط الاسلامي منذ عقود عدة : الفكر الليبرالي ( إضافة الى النظرية الديموقراطية ) ، تخترقان الان معظم البنى الفكرية لمعظم الاتجاهات الايديولوجية في العالم الإسلامي.
هذا التطور لايبدو جليا تماما  للعيان لسببين :
 الاول ، أنه بدأ للتو يتطور من  فكر نظري الى تيارات سياسية عملية. إنه يسير نحو هذا الهدف ، لكنه لم يصله بعد. (المراحل الانتقالية إلى الديمقراطية في مصر وتونس وليبيا).
والثاني ، أن بعض القوى والشخصيات الفكرية والسياسية العربية  " تعتم " على هذا المناخ أو تشّوهه ، حين تصّور المتغيرات الليبرالية العربية على انها  " إمتداد ضروري " للهيمنة الغربية على المنطقة. وهؤلاء يضمون في بوتقة واحدة: المفكرون العرب الاميركيون ( كفؤاد عجمي والفندي وغيرهما )؛ بعض الاحزاب الهامشية ( الحزب الفرعوني وشخصيات ليبرالية مصرية ولبنانية وخليجية تجاهر بتحالفها مع اميركا) والتكفيريون السعوديون ؛ واخيرا العديد من السياسيين العرب المرتبطين علنا بأجهزة الاستخبارات الاميركية ، كما يحدث الآن في العراق.
بيد أن هذين السببين لا يحجبان الحقيقة بان ثمة تحولّات ضخمة في المجتمعات العربية ، تدفع في إتجاه جعل الليبرالية، أو على  الاقل بعض تجلياتها،  المناخ الثقافي – الفكري السائد والمهيمن في الشرق الاوسط الاسلامي.
 ففي إيران ، المسألة الشعبية  الكبرى الان هي في كيفية تطوير النظام  الثيوقراطي – الليبرالي المزدوج ، ليصبح  نظاما ليبراليا اولا ثم دينيا ثانيا او ثالثا.
وفي تركيا وصل الليبراليون الاسلاميون الى السلطة مع رجب أوردوغان.
وفي كل أرجاء المنطقة العربية، ليس ثمة حركة او تيار او تنظيم لايعلي الآن  من شأن الحريات،  ولايطرح الهدف الديموقراطي كأولوية من أولوياته.

- III -
للوهلة الاولى ، قد تبدو هذه التطورات حدثا جديدا في المنطقة، خاصة بالنسبة إلى بروز التيارات الليبرالية الاسلامية. لكن الصورة ليست على هذا النحو. ليست كذلك البتة .  فالاسلام الليبرالي كان ، ولايزال،  متجذرا في التربة الشرقية الاسلامية. ونحن هنا لانتحدث فقط عن تجربة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بل أيضا  حتى عن  المراحل التي شهدت صعود الاسلام السياسي الاصولي المتطرف في أواخر القرن العشرين.
فعلى رغم أن جل الدراسات والمفاهيم في الغرب تتركز على الاسلام الراديكالي والحركات الاصولية، الا أن كثرة المسلمين يتبنّون مبادىء يمكن وصفها بشكل عام بانها "اسلام ليبرالي". وهذا الاخير يشير الى تفسيرات واجتهادات خاصة تتعلق بقضايا مثل الديمقراطية، وفصل الدين عن التعقيدات السياسية، وحقوق المرأة، وحرية الفكر، وتعزيز التقدم البشري. في كل قضية من هذه القضايا، ثمة اجماع بأن كلا من المسلمين والايمان الديني يفيدون من الاصلاحات ومن وجود مجتمع متفتح. وهذه المواقف تسير بشكل مواز مع الليبرالية في ثقافات اخرى، وكذلك مع الحركات الليبرالية في العديد من الاديان الاخرى.
ووالأرجح ان تنمو هذه التوجهات لتصبح هي القائدة والمنتصرة في مقبل الأيام، وذلك بسبب جملة من العوامل مثل الظروف المحلية، والتحديث، والتطور في المجتمعات الاسلامية، أي الاسباب نفسها التي ادت الى بروز الليبرالية في الغرب.
لكن، ما هو هذا الإسلام السياسي الليبرالي؟
(غدا نتابع)

سعد


الجمعة، 28 سبتمبر 2012

الدراما الإنسانية: لا انتحار ولا "صُوف"

كيف الخروج من "الجحيم البشري"(2 من 2)
الدراما الإنسانية: لا انتحار
 ولا "صُوف"

قلنا بالأمس أن الدراما الإنسانية قد تكون لها نهاية. ونهاية سعيدة أيضا.  وسنقول اليوم كيف.

- I -
مَنْ مَنّا لم يستفق ذات صباح من ليل طويل يعج بالكوابيس، ليكتشف أنه يعيش في الواقع حياة يغشى معظم أيامها القلق والخوف والتوتر، وتغيب عنها السعادة إلا لِماما؟

 -هل السعادة ممكنة؟ أجل. - الصورة من غوغل

هل كُتِب على الجنس البشري أن يكون سجين هذا الجحيم النفسي، وأن يقتصر الخلاص على تلك الحفنة الضئيلة للغاية من الناس الذين لبسوا الصوف وفزعوا إلى الصحراء أو الجبال أو المعازل ليجدوا هناك السلام الداخلي؟
ثم: هل يكمن "الحل النهائي" لهذه الدراما الإنسانية الدائمة في مابشّر به الفيلسوف الإغريقي لوكريس، الذي قال ألامخرج سوى بالانتحار( وهو مافعله بنفسه في سن الأربعين)، أم ربما في ما دعا إليه جان بول سارتر وألبير كامو وبقية الفلاسفة الوجوديين الذين أعلنوا أن "الأخر" هو الجحيم الذي يجب إعلان الحرب عليه؟

- II -
صاحبنا إيكهارت تول لايؤمن لا بلوكريس ولا بأي من أعضاء السرب الوجودي. فهو يؤمن بأن الخروج من الجحيم الإنساني الراهن إلى الجنّة، او مايسميه "الأرض الجديدة"، ليس ممكناً وحسب بل هو أسهل من شربة ماء.
كيف؟
عبر تعرية "الأنا" الانانية والزائفة، والانتباه والتيقظ لما تبثّه فينا على مدار الساعة من أفكار سقيمة وماتجتّره من ذكريات أليمة، وأيضاً لما تفعله بنا حين تفصلنا عن وحدتنا الوجودية مع الطبيعة والكون والله، فننسى بذلك أننا مخلوقات يجب أن تكون سامية وسماوية لأننا نمتلك الوعي بالوجود.
هذا الوعي السامي والمتسامي يقف على طرفي نقيض مع وعي "الأنا" الأنانية. فهو يخلق في الإنسان أحاسيس السلام الداخلي والخارجي، والتناغم، والتوحّد مع الطبيعة والله (فتتحقق بذلك السعادة الحقيقية). هذا في حين أن ألاعيب الأنا الأنانية تُسفر عن اضطراب وتمزق وصراعات لانهاية لها.
لكن، كيف يمكن لنا أن ننتقل من وعي الأنا المتدني والمأزوم إلى الوعي الأعلى المتسامي والحقيقي؟
عبر الخطوات التالية :
-       الخطوة الأولى، والحاسمة، هي عدم الارتباط العاطفي والعقلي بكل ما هو مادي، بما في ذلك جسد الإنسان. إذ مثل هذا الارتباط هو الذي يولِّد الآلام والشقاء، لأنه يعني التعلُّق بشيء أو أشياء لابقاء لها ولاديمومة. وهذا أمر يدركه المرء حين يكون على فراش الموت أو حين يصاب بصدمة عنيفة، تجعله يعي فجأة أن التعلُّق بالمال أو الملكية أو الجسد ورغباته التي لاتنتهي، أنه كان يجري وراء أوهام زائغة وزائلة، وهي أشبه بمحاولة وقف تدفق تيار مائي جارف عبر التمنيات والأحلام. والحياة المادية تشبه بالتحديد هذا التيار الجارف الذي يتغيّر في كل دقيقة وكل لحظة.
-        وفي الوقت نفسه، يجب العمل على تسليط أضواء الوعي الصافي على الأنا، ومنعها من السيطرة على العقل وإثارة الخوف والانفعالات فيه. وهذا أمر قد يبدو صعباً في البداية، لكنه ليس كذلك إذا ما تذكّرنا أن الأنا لايعتاش سوى على ألم ذكريات الماضي وأوهام المستقبل وأنه، بالتالي، يتبخّر هباء منثوراً حين نعيش لحظة الحاضر بكل تفاصيلها. القوة الكامنة في الحاضر هائلة، لأنها الحقيقة الوحيدة التي تعبّر عن الوجود الحقيقي.
-       الإدراك بانه ليس هناك شيء أسمه اللاسعادة. هناك فقط أفكارك حول وضع صعب قد تكون فيه. فإذا ما كان في وسعك تغيير هذا الوضع فليكن، والا فلتقبل به كما هو.
-       الوعي بأنك لست منفصلاً البتة لاعن باقي البشر ولا عن الطبيعة ولا الكون. كل ذرة في دماغك أو جسمك كانت في يوم ما جزءاً من الشمس والنجوم أو حتى من إنسان آخر. وبالتالي لاتستخدم تعبير "هذه حياتي" بل تعوّد أن تقول "أنا جزء من الحياة". أنا الحياة. ومع الحياة، ليست ثمة في الحقيقة شيء اسمه الموت. فحين يتحلل الجسد، يعود المرء إلى المكان الذي كان عليه قبل الولادة: الفراغ الخلاَّق (أو العدم) الممتلىء بكل الاحتمالات الذي اكتشفه الكثير من المتصوفة والفلاسفة وعلماء الفيزياء الحديثة،  والذي هو بمثابة ولادة قيد التحقق دائما.
-       حين تعي أن معاناتك ناجمة من الأنا الأنانية، وأن هذه الأنا ليست أنت، يتحرر عقلك الصافي وتنطلق نحو السلام الداخلي والسعادة.

- III -
أفكار جميلة؟
حتماً. لا بل هي خريطة الطريق الوحيدة للخروح من "الجحيم البشري".


                                                                            سعد

الخميس، 27 سبتمبر 2012

كيف نخرج من "الجحيم البشري"؟


الاصدقاء: بعض القراء لم يصله هذا المقال. ولذا أعاود نشره الآن
                   ________________________

لماذا كل هذه الحروب والصراعات والشقاء في المجتمعات البشرية؟ ما سببها والدافع إليها، وكيف يمكن الخروج من جهنمها؟

- I -
"كوكب الأرض قبل 114 مليون سنة. صباح أحد الأيام وبعد لحظات من انبلاج الفجر: الوردة الأولى في التاريخ تتفتح لتلقي أشعة الشمس. قبل هذا الحدث الرائع، الذي دشّن تحولاً تطورياً ضخماً في حياة النباتات، كان الكوكب يكتسي برداء أخضر لمئات ملايين السنين. الوردة كانت نادرة لأن الظروف لم تك مؤهلة بعد لاستقبالها، لكن في يوم ما تم عبور المرحلة الحرجة وحدث انفجار في تفتح الزهور والرياحين والعطور في كل أنحاء الأرض".

هل ثمة وسيلة لمغادرة جهنم الأرضية؟ (الرسم من غوغل)

بهذه الصورة الجميلة يبدأ المؤلف الألماني الأصل إيكهارت تول كتابه "الأرض الجديدة" (* ) الذي تُرجم إلى 33 لغة وأصبح مرجع كل باحث عن "الحقيقة الجديدة" و"الحياة الجديدة"، في عالم يعج بالكوارث والمآسي والحروب والنزاعات.
لماذا اختار المؤلف الوردة للانطلاق في مشروعه التنويري؟ لأنها الأمر الوحيد الذي أحبه البشر، من دول أن تكون له وظيفة مادية تتعلق بصراع البقاء. وبذا كانت الورود، خاصة البيضاء منها، هي الجسر الذي يعبره الوعي البشري من عالم المادة والشكل إلى عالم الجوهر واللاشكل والوعي الصافي حيث تقطن الحقيقة: حقيقة أن كل شيء في الوجود واحد مُوحّد متصل ببعضه البعض بشكل لافكاك فيه.
لكن، لماذا لم يصبح هذا الوعي الصافي هو القانون وبقي الاستثناء في كل التاريخ البشري؟ لماذا سيطر الوعي الزائف الذي يوحي لنا بأننا مخلوقات أنانية يجب أن نقتل كي نعيش، ونعيش كي نقتل؟
تول يورد سببين:
الأول أن الحضارات البشرية عجزت عن فهم رسالة الأنبياء وكبار الفلاسفة الذين برزوا ليبشّروا بالسلام الداخلي لدى كل إنسان وبين كل البشر، فعمدت إلى تشويه هذه التعاليم وحوّلتها إلى أنظمة معتقدات إيمانية وإديولوجية منغلقة على ذاتها. وهكذا تم، على سبيل المثال، تحويل السيد المسيح من داعية سلام ومحبة إلى رسول حروب، وانقلب دور المُصلح بوذا من مبشّر يدعو إلى إدارة الظهر للأنانية والأنا إلى إله أناني، ووُظّف الأنبياء في خدمة العصبية اليهودية المدمّرة  والعنيفة.
السبب الثاني هو أن الحضارة البشرية لم تنضج بعد بما فيه الكافية كي تُحقق النقلة التطورية الكبرى من الأنا إلى الوعي الجمعي الصافي الذي سيخلق "الأرض الجديدة". إنها تحتاج إلى حدث ضخم يجبرها على العبور نحو هذه النقلة، تماماً كما حدث في مسار تطور الحياة على الأرض حين أجبرت الظروف الطبيعية المخلوقات البحرية على مغادرة حياتها السهلة في المحيطات حيث الجاذبية ضعيفة إلى اليابسة على رغم شظف العيش فيها.
تول لايفصح عن طبيعة هذا الحدث الضخم. لكن من الواضح أنه يوميء إلى التغييرات الهائلة التي سيجلبها تغيّر المناخ على كلٍ من ظروف الحياة وعلى طبيعة الوعي البشري لمعنى الحياة والوجود.
عدو تول الأكبر هو "الأنا"(The ego) الذي هو مصدر كل الشرور، ليس فقط تلك المتعلقة بالحقد والكراهية والشراهة والإجرام، بل أيضاً بعملية تشويه الوعي الصافي عبر جعله يقتنع بأن مايراه في العالم المادي هو الحقيقة، وبالتالي حرفه عن رؤية الوحدة الروحية العميقة التي تنساب في كل الكون والتي تقود مباشرة إلى المنبع الرئيس: الله.
لكن، لماذا يفعل "الأنا" ذلك؟
- II -
 لأن ثمة وباء يجتاح كوكب الأرض اسمه التعاسة، والسلبية، وفقدان السعادة. وهو وباء يجعل كل البشر، أو الكثرة الساحقة منهم، تعيش في جهنم داخلية حقيقية على الأرض، وفي حالة حروب دائمة بين بعضهم البعض ومع أنفسهم.
المسؤول الأول والأخير عن نشر هذا الوباء هو "الأنا" البشرية (Ego)، التي يعرّفها المؤلف بأنها ذلك الصوت الداخلي في العقل التي تُحرّك فينا انفعالات الحقد والكراهية والغضب والانانية وأساساً الخوف.
 الخوف مِمَّ؟
من الموت، من اللاوجود، من أن نكون لاأحد. الخوف أيضاً من المرض والكهولة وخسارة الوظيفة أو العمل أو الثروة أو المكانة الاجتماعية.
هذه الأنا الأنانية التي تُسيطر على الإنسان في معظم مراحل حياته لاتعتاش ولاتتغذى سوى على  الألم والتعاسة، ولذلك فهي تثير فينا بشكل دائم الشعور بالخوف أو اللاأمن، وفي المقلب الأخر الغضب وحتى العنف.
لقد اعتاد الفلاسفة والمناطقة التمييز بين العقل والغريزة، فخصّوا الأول بالوعي والإدراك والثاني باللاوعي والانفعالات. وعلى رغم ان تول لايرفض هذا التمييز، إلا انه يلفت  إلى أن الأنا الأنانية تسيطر على كل من العقل والغريزة، وعلى الوعي واللاوعي معاً، وتصبح هي الحاكم بأمره الذي يوجهنا كما نشاء من دون أن ندري.
وهذا الأمر يمكن استشفافه بسرعة حين نراقب كيف نفكّر، وبماذا نفكّر، في لحظة ما، خاصة في المراحل الانفعالية، حيث تُجبرنا الأنا على اجترار حادث مؤلم حدث لنا ربما قبل عشرات السنين. وهكذا نجد أنفسنا ندور في حلقة من الأحقاد والكراهية والعذاب لانهاية لها.
- III -
 الأنا تُسيطر علينا عبر أحد طريقين: إما بث الحياة دوماً بالماضي الذي ربما شهد حوادث أو تطورات مؤلمة لنا، كخيانة صديق أو موت عزيز أو صدمات عاطفية في الطفولة تركت ندوباً عميقة في أنفسنا. أو من خلال تحريك نزعة الشعور باللاأمن لدفعنا إلى العمل المضني طوال حياتنا لتوفير مايكفي للرد على هذا الشعور القاتل، فتُصبح كل أيامنا رهناً في مستقبل لا (ولن) نعيشه في الحاضر.
ثمة هنا واقعة لطيفة عن استراتيجية الأنا هذه.
تانزان وإيدكو راهبان بوذيان كانا يسيران في طرق جبلية وعرة تعج بالوحول بسبب الأمطار الغزيرة. وحين اقتربا من إحدى القرى، شاهدا إمرأة شابة تحاول قطع الطريق لكنها لاتستطيع بسبب الوحول، فعمد تانزان، وهو معلّم إيدكو، إلى حملها على ظهره ونقلها إلى الضفة الأخرى.  بعد خمس ساعات من هذا التطور، لم يستطع التلميذ كبح جماح نفسه، فانفجر صائحاً بالمعلم:" لماذا حملت المراة على ظهرك. يُفترض بنا نحن الرهبان ألا نقترب من النساء". فابتسم تانزان ورد بهدوء: لقد أنزلت الفتاة عن ظهري قبل ساعات طويلة، فلماذا أنت لازلت تحملها".
الآن، تخيّلوا أي حياة نعيشها جميعاً ونحن نراكم كل هذه الأفكار والذكريات السلبية ونرفض أن نطوي صفحتها. إننا نجتر الألم مراراً وتكراراً إلى مالانهاية. وهذا بالتحديد مايفعله 6 بلايين بشري يعيشون على هذه الأرض. إنهم يرخون الزمام للأنا الأنانية، فتقوم هذه الأخيرة بتوليد مشاعر الحقد والألم التي تتغذى من مزيد من الحقد والألم.
بيد أن هذه الدراما الإنسانية قد تكون لها نهاية. ونهاية سعيدة أيضا.
كيف؟
(غدا نتابع)
سعد
(*) Eckhart Tolle: A new earth: Awakening to your life’s purpose .Penguin books



                                                                                       




الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

أوباما: انقلابات شرق أوسطية كاسحة



    خطاب أوباما: انقلابات شرق أوسطية كاسحة

الرئيس الأميركي وضع دفتر شروط للأخوان المسلمين وإيران، وأطلق رسالة مزدوجة إلى دول الخليج، وأعاد وضع المنطقة على رأس الأولويات الأميركية.


- I -
خطاب الرئيس الأميركي أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس، كان مفاجئاً وفق كل المعايير.
فهذا الخطاب، الذي استغرق 30 دقيقة، كُرِّس في معظمه تقريباً لمنطقة الشرق الأوسط، على حساب العديد من القضايا الهامة والخطيرة للسياسة الخارجية الأميركية على غرار مصير مبادرة "إعادة التنظيم" (Reset ) مع روسيا، والشراكة أو الخصومة الاستراتيجيين مع الصين، وتطوير أو طي صفحة حلف شمال الأطلسي.
هذا لايعني أن الولايات المتحدة لم تكن جادة في "اندفاعتها شرقاً" مؤخراً نحو منطقة حوض آسيا- الباسيفيك التي انتقل إليها بالفعل مركز الثقل العالمي الاقتصادي والتجاري والعسكري. لكن يبدو أن الشرق الأوسط، بنفطه و"إسرائيله" وبعض إسلامه المتمرد على العولمة الأميركية، وبكونه يشكِّل العنق الحقيقي لقارة أوراسيا التي تمنح من يسيطر عليها شرعية حكم العالم، ستبقى لها حتى إشعار آخر الأولوية الأولى في السياسة الخارجية الأميركية.
- II -
هذه نقطة.
وثمة نقاط أخرى لاتقل أهمية.
1- فكما أن خطاب أوباما في القاهرة قبل سنوات ثلاث وعد بتدشين "علاقات جديدة" مع العالم الإسلامي، جاء خطاب نيويورك ليحدد بدقة وتفصيل دفتر الشروط الأميركية لهذه العلاقات، خاصة بالنسبة إلى أحزاب الإخوان المسلمين التي وصلت (أو قد تصل لاحقاً) إلى السلطة) في المنطقة العربية. وهو لخَّص هذه الشروط بالتالي: حماية حقوق الأقليات (خص الأقباط بالاسم)؛ احترام الحريات الشخصية والدينية؛ شن الحرب السياسية والأمنية والفكرية  على تيارات التطرف الإسلامي؛ وحماية المصالح والمؤسسات الاميركية.
أهمية هذه الخريطة نبعت من أنها أُعلِنَت قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية الحاسمة، الأمر الذي يعني أن الشرق الأوسط كان المنطقة الوحيدة في العالم التي دخلت بقوة حلبة السياسات الداخلية الأميركية.
2- الرئيس الأميركي تحدث بقوة عن ضرورة إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، داعياً العالم إلى التعاون لتحقيق هذا الهدف، الأمر الذي يوحي، وبقوة أيضاً، أن الولايات المتحدة (سواء فاز أوباما أو رومني الأكثر تشددا منه في الإطلالة على الوضع السوري) تنوي تغيير قواعد اللعبة مع هذا النظام فور انتهاء الانتخابات.
3- جاء حديث أوباما عن إيران مميَّزاً للغاية: فهو رفض الضغوط الهائلة التي مارسها عليه بنيامين نتنياهو لتحديد "خط أحمر" يمكن بعده للولايات المتحدة وإسرائيل شن الحرب على إيران في حال تجاوزته نوويا، وفضّل عليه "خطاً أصفر": مواصلة منح طهران الفرص للوصول إلى حل دبلوماسي، لكن من دون أن تكون هذه الفرصة شيكاً مفتوحاً على بياض زمن لانهائي.
4- وأخيراً، جاء الخطاب ليصب ماء مُثلَّجة على كل النظريات التي أطلقها محور إيران- سورية- حزب الله حول الانسحاب الاستراتيجي الأميركي من الشرق الأوسط. فأوباما لم يعلن فقط أن فكرة هذا الانسحاب مجرد وهم، بل هو ألمح أيضاً إلى أن بلاده ستزيد انخراطها في شؤون المنطقة بدل أن تقلصه، على رغم انسحابها من العراق ولاحقاً من أفغانستان.
- III -
أين الخليج العربي، الذي يحتل كما هو معروف المرتبة الأولى في أولويات المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، من كل هذه المحطات الهامة في الخطاب؟
عدا الحديث عن إيران، لم يشر أوباما إلى دول الخليج الأخرى. لكن تحليل مابين سطوره قد يكشف فوراً عن أمرين إثنين: الأول، أن واشنطن لن تترك هذه الدول لتجابه وحدها تمدد النفوذ السياسي والأمني والنووي الإيراني. والثاني أن دعوته لمواصلة العمل على نقل المنطقة إلى رحاب الديمقراطية كوسيلة وحيدة لكبح جماح العنف والتطرف الإسلاميين، لن يستثني حتماً دول الخليج، خاصة السعودية التي شكّلت إديولوجيتها السلفية الانغلاقية أحد عوامل تغيير السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط غداة أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001.   
هذه الرسالة المزدوجة يجب أن تُقرأ بوضوح بكلا وجهيها في عواصم الخليج، لئلا تتكرر أخطاء مبارك وبن علي والقذافي والأسد في الرياض وأبوظبي ومسقط والمنامة والدوحة والكويت.

                                                                                      سعد


الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

هل جُنَّ بشار الأسد؟



- I -
أخطر ماحمله الأخضر الإبراهيمي إلى مجلس الأمن هو قوله أنه "يشعر بالاحباط مما سمعه من الرئيس بشار الأسد" خلال وجوده في دمشق الأسبوع الماضي. إذ هو اكتشف أن هذا الأخير "لايزال مقتنعاً أن وسعه عبر استخدام القوة العسكرية أن يعيد سورية إلى الأوضاع التي كانت عليها قبل اندلاع الثورة الراهنة".

بشار- حافظ: 

البعض قد يسمي ذلك جنونا، جنوناً مطبقاً على وجه التحديد. وهذا صحيح في جانب منه، حيث بات واضحاً أن الأسد تلبَّس بالكامل دورين في آن: دور الجنرال نابليون الذي آمن هو الآخر أن عبقريته العسكرية قادرة على اجتراح المعجزات المستحيلة، ودور المصاب بمرض الأرتياب الذي يظن أن كل مايجري حوله مؤامرات تستهدف "أناه" (Ego ) المتضخمة إلى درجة الانتفاخ.
لكن، وإلى جانب سورة الجنون هذه، ثمة قناعة يبدو أن الأسد يتقاسمها مع باقي جنرالات الحرب المحيطين به، وهي أن القمع والتدمير سيكونا قادرين في نهاية المطاف على إعادة السوريين إلى قفص الخوف والرضوخ. وهي "حكمة" ورثوها من الرئيس السابق حافظ الأسد وأثبتت نجاعتها طيلة نيف و40 عاما.
- II -
حين وصل بشار الأسد إلى سدة الرئاسة العام 2000، بنى الكثيرون في داخل سوريا وخارجها كبار الآمال بأن هذا الرئيس الشاب سيحقق وعوده الإصلاحية والتحديثية وسيسمح لـ"ربيع دمشق"، الذي انطلق في عهده في ذلك الوقت، بأن يتطوّر إلى فصل دائم من الانفتاح والتعددية أو شبه السلطوية على الأقل. لكن ماحدث طيلة السنوات الـ11 التي تلت ذلك كانت  مزيداً من الانغلاق السياسي، فيما صبَّ "الانفتاح" الاقتصادي النيو- ليبرالي في جيوب نخب صغيرة محدودة عائلية وعشائرية ومدينية، ولغير صالح قطاعات واسعة من الريف والطبقة الوسطى والفئات الفقيرة.
كل هذه التطورات، ماعدا ربما بعض الإصلاحات النيوليبرالية، اعتُبرت ترجمة دقيقة لـ"كتاب السلطة" الذي ألَّفه الرئيس الراحل حافظ الأسد على مدى ثلاثة عقود، والذي ظن سدنة النظام بأنه يبدأ وينتهي، كما قلنا، بجملة واحدة: القمع وضبط إبقاع المجتمع عبر الخوف.
بالطبع، تكتيك القمع والخوف كان حاضراً بقوة في نظام الأسد الأب. لكن ماغفل عنه ورثته أن هذا التكتيك كان جزءاً من بنيان استراتيجي عام استند إلى إقامة توازن دقيق للغاية بين سلطة النظام وتحالفاته في الداخل وبين توفير التغطية والدعم الدوليين (والإقليميين) له في الخارج، سواء أكان هذا الخارج روسيا أو الولايات المتحدة. كانت هذه هي التعويذة السحرية التي مكّنت نظام حافظ الأسد ليس فقط من الخروج من المآزق الداخلية، بل أيضاً من لعب دور إقليمي كبير كان هو الرافد الحقيقي لتوطيد سلطته في الداخل.
ثمة هنا نموذجان رئيسيان لهذه التعويذة:
الأول، عدم تردد حافظ الأسد، زعيم حزب البعث في سوريا، من القتال إلى جانب "الإمبرياليين الأميركيين" ضد حزب البعث في العراق العام 1990، حين شعر (وفق تعليمات نيقولو ماكيافيلي الذي كان الرئيس الراحل يضع كتابه "الأمير" قرب سريره) بأن الوقوف على الحياد في حرب الكويت سيعني الخسارة مع الخاسرين، ودفع الأثمان المجانية للرابحين.
والثاني، حين أمّن حافظ الأسد جبهته الخارجية، في خضم حربه الدموية الضروس مع جماعة الإخوان المسلمين (1979- 1982)، من خلال تعزيز تفاهماته الضمنية مع الأميركيين والإسرائيليين التي أبُرمت العام 1976 وتضمّنت ضبط واحتواء وحتى ضرب (إذا ما تطلب الأمر) منظمات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، كشرط لدخول القوات السورية إلى بلاد الأرز.
خلفاء حافظ الأسد لم يلتقطوا، على مايبدو، من "كتاب السلطة" سوى الشق المتعلَّق بالقمع والتخويف، وأغفلوا الشق الثاني الخاص بتعويذة التوازنات الدولية والإقليمية. لابل هنا قد يكون ثمة ما هو أسوأ: العجز عن فهم المتغيرات الدولية التي رافقت اندلاع انتفاضات الربيع العربي، والتي انتقلت بموجبها الإدارة الأميركية من الاعتماد على الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية والتوتاليتارية (بما في ذلك حتى ممالك الخليج، كما سيثبت لاحقاً على الأرجح) إلى  التعاطي بشروط واضحة ومحددة مع قوى المجتمعات المدنية العربية. وبما أن هذه القوى (وبسبب التصحير الذي مارسه السلطويون على اليساريين والليبراليين في المجتمعات من دون القدرة على الإمساك بالمساجد)، كانت الحركات الإسلامية، فقد قررت واشنطن فتح الأبواب والنوافذ أمامها ومعها.
بشار وصحبه لم يدركوا مبكراً هذا الانقلاب. وهذا مافسّر استمرارهم في التشديد على أن الربيع العربي لن يصل إلى سوريا. ثم وبعد أن وصل، إلى الإعلان أنه مجرد سحابة صيف. ثم وبعد أن تواصل، بأنها سينتهي قريبا.
وجنباً إلى جنب مع عدم القدرة على التقاط المتغيرات الدولية، جاء عجز موازٍ عن إدارك المتغيرات المحلية والإقليمية. إذ كان يتعيّن على النظام أن يفهم بعد شهر واحد من اندلاع الانتفاضة بأنه خسر أهم ركيزة من ركائز هيمنته: الخوف، وقدرة أجهزة المخابرات الـ16 على الإمساك بالمجتمع. هذا على رغم أن هذه الحصيلة كانت واضحة مع القرار بانزال الجيش إلى الشوارع. فالدبابة تستطيع السيطرة على شارع، لكن ليس على مايجري داخل هذا الشارع، إذ أن هذا من اختصاص المخابرات.
وعلى الصعيد الإقليمي، تكررت القراءة المخطئة نفسها: فقد ظن النظام وأنصاره أن التعثُّر الأميركي في العراق وأفغانستان، مشفوعاً بالأزمة الاقتصادية العالمية، سيؤديان إلى حصيلة حتمية واحدة: نجاح إيران وحلفاءها في ملء الفراغ وبناء شرق أوسط جديد بملاءة خمينية.
لكت يتبيّن الآن مدى خطل هذا التحليل. فإيران تتأرجح الآن على شفير الهاوية بعد أن وقعت في الفخ الذي نصبه لها الغرب، من خلال دفعها إلى سباق تسلح ونفوذ إقليمي لايستطيع اقتصادها العالم ثالثي المعتمد أساساً على النفط والغاز تحمّله. فالعملة الإيرانية  تتدهور بسرعة (الأمر الذي قد يقلب البازار على النظام)، والبطالة تجاوزت وفق أرقام غير رسمية الـ30 في المئة، والعقوبات الأميركية على المصرف المركزي الإيراني، والتي قد تليها خطوة أوروبية مماثلة، قد تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني برمته. لماذا؟ لأن إيران لن تستطيع أن تشتري أو تبيع فيما المصرف المركزي الذي يدير 90 في المئة من هذه العمليات، مكبل وغير قادر على العمل.
وإلى إيران، فقد النظام السوري حليفه السعودي الثمين، الذي شكَّل له على مدى العقود الأربعة الماضية الملاءة "الإسلامية" ، والمالية، والسياسية، التي مكّنته جزئياً من ممارسة أدواره المحلية والإقليمية.
- III -
الآن، وبعد 18 شهراً من الانتفاضة، تحتشد كل هذه المعطيات كغيوم سوداء لتضع خلفاء حافظ الأسد في مأزق غير مسبوق: فهم غير قادرين على التأقلم سريعاً مع المتغيرات الداخلية (الثورات الطبقية ضدهم) والخارجية. وبالتالي ليس في وسعهم سوى مواصلة التقدم إلى أمام.
لكن، إلى أين؟
حديث الأسد إلى الإبراهيمي، والذي واصل فيه الكلام عن مؤامرة خارجية" وعن "القبضة الحديدية" في الداخل، وفصل العمليات العسكرية عن الجهود السياسية، عنى أمرين إثنين متلازمين:
الأول، إسدال الستار على أي فرصة لابرام تسوية ما حتى مع المعارضة الداخلية المتمثّلة بهيئة التنسيق الوطني والمعارضين المستقلين التي عقدت مؤخراً مؤتمراً في دمشق، حيث كانت الشائعات ترشِّح هيثم المناع لتشكيل حكومة وحدة وطنية تُمهِّد الطريق أمام مرحلة انتقالية.
والثاني، وهو أمر مشتق من الأول، مواصلة السير بشكل حثيث نحو حرب أهلية شاملة لن تحسمها في النهاية سوى تدخلات عسكرية خارجية قد تحدث بعد نهاية الانتخابات الرئاسية الأميركية (سواء بشكل مباشر أو عبر تسليح المعارضة).
بشار الأسد، كما ظهر من حديثه مع الإبراهيمي، بات مستعداً للسباحة حتى النهاية في بحر الحرب الأهلية هذه، اقتناعاً منه بأن هذا ما كان سيفعله والده. لكنه نسي على مايبدو ان حافظ  مات واندثرت معه كل الظروف الداخلية والخارجية التي أمَّنت لـ"جمهورية الخوف" التي بنى البقاء والاستمرار.
وهذا النسيان بالتحديد، الممزوج بدماء عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى وملايين المهجرين، والمترافق مع التدمير المنهجي لكل المدن السورية ومعها الاقتصاد الوطني، يجب أن يدفع كل الاطراف إلى الإدراك بأنهم باتوا يتعاملون الأن مع رئيس فقد راسه وعقله، وأصبح جنون العظمة والارتياب (وهما وجهان لعملة واحدة) هما سدنة كل استراتيجيته وسياساته وتوجهاته.
لقد جُنَّ الرجل حقا. ويتعيّن على الإبراهيمي الآن الاستعانة بمجلس من الأطباء النفسيين بدل مجلس الأمن، لانقاذ الوطن السوري من عنف الجنون في جبل قاسيون.
                                                                          سعد