للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الأربعاء، 29 أغسطس 2012

هل بدأ مُرسي "يتمرَّد" على واشنطن?

  

- I -
لاجدال بأن الرئيس المصري الجديد محمد مرسي بدأ يضخّ روحاً جديدة في السياسة الخارجية المصرية، وفي دور مصر في السياسات الشرق أوسطية وإلى حد ما الدولية.
-مرسي وكلينتون: لادَوْسَ على الأصابع -لصورة من غوغل
فمن خصِّه المملكة السعودية بأول زيارة له إلى الخارج (على رغم أنها تعرَّضت إلى انتقادات حادة وسمتها بـ" الرضوخ والإستسلام" للرياض)، إلى طلب العلم والاستثمارات من الصين، وانتهاء في وقت لاحق بزيارته لإيران، كان مُرسي يطلق رسائل واضحة في كل الاتجاهات بأنه ينوي الطلاق مع كل التوجهات الخارجية لنظام الرئيس مبارك السابق، وإستعادة ماتيسَّر من زعامة مصر التقليدية في المنطقة.
لكن مهلا. إلى أي حد يمكن أن يذهب هذا الرئيس، الذي جاء من رحم جماعة عاشت طيلة تاريخها المديد اضطهاداً متواصلاً (الأخوان المسلمين)، في اندفاعته الاستقلالية، من دون أن يدوس على أقدام الولايات المتحدة وبقية أعضاء النادي الغربي؟.

- II -
بداية، يمكن القول أن القطيعة مع الانكفاء المباركي لاتعني الوصل مع الانطلاقة الناصرية الهائلة في الخمسينيات والستينيات في المنطقة العربية. الظروف الدولية تغيرّت بالكامل. فبيجينغ، التي كرَّمها مرسي بجعلها أولى محطاته الخارجية (قبل واشنطن) ليست في وارد تشكيل قطب دولي منافس لأميركا على الزعامة العالمية قبل العام 2010 على الأقل. أما روسيا فهي أبعد ماتكون عن احتمال لعب دور الموازن لأميركا ولو اسميا، بفعل ضعفها الاقتصادي والعسكري الشديدين. ثم أنها لاتريد قلب النظام الدولي كما سلفها الاتحاد السوفييتي، بل أن تكون بدلاً من ذلك برغياً من براغي آلته الاقتصادية العملاقة (موسكو انضمت مؤخراً إلى منظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات دامت 18 سنة متواصلة).
هذا على الصعيد الدولي. أما على الصعيد الإقليمي، لن يكون هناك مبرر للولايات المتحدة وإسرائيل كي تقلقا من الشعارات اللفظية التي يطلقها الناطقون باسم الرئيس المصري حول "وحدة الدول الإسلامية"، ولا من أولى مبادراته الخارجية الخاصة بتشكيل فريق عمل لحل الأزمة السورية يضم إلى مصر إيران والسعودية وتركيا. فلا هذه الشعارات ولا تلك المبادرة ستؤدي إلى قيام كتلة إسلامية عملاقة في الشرق الأوسط.
لماذا؟
لأن الخلافات بين الإخوان المسلمين وبين السعودية أشبه بنار أثينا التي لاتنطفىء. وكذا الأمر بالنسبة إلى الخلافات بينهم وبين إيران الشيعية التي يعتبرها الكثيرون منهم "من الروافض". أما موقف جماعة الإخوان من تركيا فهو أشبه بالشيزوفرانيا (انفصام الشخصية). فالجناح الليبرالي فيها يحبِّذ نموذج الإسلام الليبرالي التركي، فيما الجناح السلفي يرفضه جملة وتفصيلا. لكن كلا الجناحين معاً يعتبران أنقرة (أو بالأحرى اسطنبول) منافساً خطراً لمصر على الزعامتين العربية والإسلامية.
وبالتالي، اقتراح مرسي بتشكيل هذا الفريق الرباعي، هو مجرد تكتيك براغماتي لإعادة مصر إلى لوحة السياسة الشرق أوسطية، خاصة وأنها كانت غائبة عن شاشات الرادار طيلة الأشهر الـ18 الماضية من يوميات الثورة السورية، فيما تركيا وإيران والسعودية غاطسة فيها حتى أذنيها وستقطف جوائزها حين تقع الثمرة السورية (قريباً على الأرجح) بين أحضانها.

- III -

القلق الأميركي، إذا، من اندفاعة مرسي لتحريك مصر خارج حدودها للمرة الأولى منذ نيف و30 عاما، غير مبرر أو هو على الأقل مبالغ فيه، خاصة إذا ماوضعنا في الاعتبار الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية الطاحنة في مصر.
فتجربة الإخوان المسلمين في السلطة ستنجح أو تفشل ليس في مجال السياسة الخارجية بل في عرين السياسات الداخلية. وما لم يتمكّن مرسي من وضع قطار الاقتصاد المصري على سكة التنمية السليمة ومن الحفاظ على الحريات وحقوق الأقليات، وبالسرعة اللازمة، فسيكون عُرضة إلى تنافس ساخن بين العديد من الأطراف الخارجية والداخلية معاً لقذفه هو والجماعة من القطار.
ثم هناك نقطة قد تكون أكثر قدرة على توضيح الأمور: من يريد أن يشق عصا الطاعة على واشنطن، لايندفع إلى قبول شروط صندوق النقد الدولي حول قرض الأربعة مليارات دولار، كما فعل الرئيس مرسي.
هذه تنفي تلك.

                                                                                سعد  



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق