للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 31 أغسطس، 2012

الامبراطورية الأميركية على خطى شقيقتها البريطانية؟


من 1910 إلى 2012: حين يَكذِب الفجر
متى يُودِّع العالم الأمبراطورية الأميركية؟
-الملك ادوارد- غوغل


- I -
في العام 1910، اجتذبت جنازة إدوارد السابع الملك- الامبراطور البريطاني واحداً من أهم التجمعات المَلَكِية في التاريخ: ثمانية ملوك أوروبيين، امبراطور ألماني، ورثة الأمبرطوريتين العثمانية والنمسوية، أمراء من مصر والصين واليابان، إضافة إلى عشرات أمراء آخرين من دول أصغر حجماً، ووراءهم في العربات الملكية ملكات وأميرات من كل الاصناف والألوان.
كل هؤلاء ساروا وراء كفن الملك إدوارد وهو يوارى الثرى في ويندسور. وبالطبع، هم فعلوا ذلك ليس حباً بهذا الامبراطور، بل احتراماً وتقرّباً من الامبراطورية البريطانية التي كانت في ذلك الوقت الدولة العظمى الأولى في  العالم.
وهذه بدت آنذاك حقيقة راسخة.
فالنظام الدولي الذي نشأ بعد سقوط نابليون بونابرت، كان بحق نظاماً بريطانياً. إذ ترافقت الثورة الصناعية في بريطانيا مع صعود سيطرتها البحرية، وثورتها المالية، وتوسّعها التجاري، الأمر الذي حوّلها إلى قوة عظمى جديدة. وحوالي العام 1860، وهي السنة التي تُعتبر ذروة الصعود البريطاني،  كانت المملكة المتحدة تنتج 53 في المئة من حديد العالم، و50 في المئة من فحمه، وتستهلك نصف الإنتاج العالمي الخام من القطن. وعلى رغم أن عدد سكانها لايتجاوز 2 في المئة من سكان الأرض و10 في المئة من سكان أوروبا، امتلكت قدرات صناعية قدّرت بـ40 إلى 45 في المئة من القدرات العالمية.
لذلك لم يكن مستغرباً أن يحتفي الفيكتوريون ببريطانيا بوصفها "مركز العالم" بالكلمات المعبّرة الآتية:
"سهول أميركا الشمالية وروسيا هي حقول قمحنا؛ وكندا والبلطيق هي غابات خشبنا؛ أستراليا تتضمن مزارع غنمنا؛ وفي الأرجنتين والسهول الغربية لأميركا الشمالية تكمن قطعان ثيراننا؛ البيرو ترسل لنا فضّتها؛ وذهب جنوب إفريقيا وأستراليا يطير إلى لندن؛ الهندوك والصينيون يزرعون الشاي لنا؛ إسبانيا وفرنسا هما كروم عنبنا وحوض البحر المتوسط هو حديقة فواكهنا".
- II -
الملوك والأمراء الذي ساروا وراء نعش إدوارد، فعلوا ذلك وفي ذهنهم هذه الـ"بريطانيا". ولأنهم كانوا سكرى بهذه الهيبة الامبراطورية الكاسحة، لم يلتفتوا إلى الحقيقة بأن بريطانيا كانت في حالة انحدار حقيقي، وأن 1910 كان مجرد نهاية عقد ضائع من قرن جديد ستكون فيه هذه القوة مجرد ملحق بقوة أخرى أكثر ثراء وسطوة: أميركا.

- III -
لماذا تذكّر حدث جنازة إدوارد الأن ؟
لأن العالم احتفل بانتهاء أول عقد من القرن الحادي والعشرين وهو لايزال يًطل على أميركا كما أطل على بريطانيا في العقد الأول من القرن العشرين، بوصفها امبراطورية لم، ولن، تغرب عنها الشمس.
بيد أن ملوك وأمراء اليوم، كانوا مخطئين كما ملوك وأمراء الأمس. فالفجر كان كاذباً، وشمس أميركا لم تك تشرق بل تغرب. وما شهدناه في العقد الماضي لم يكن سوى تمرين على عادة قديمة. وهذه حقيقة التقطتها "فاينشنال تايمز" في اليوم الأخير من العام 2009، حين كتبت: "من المذهل كيف أن قرناً جديداً غالباً من يبدأ بالفعل بعد 10 أو 12 سنة من بدايته الرسمية".
حسناً. القرن الحادي والعشرين بدأ بالفعل بعد نحو عشر سنوات من بدايته الرسمية، وهو سيكرر على الأرجح ما حدث في 1910: وداع نظام عالمي قديم، عبر السير في ركاب جنازة حافلة. لكن هذه المرة الجنازة ستكون لأمبراطورية وليس لامبراطور!
___________
ملحوظة: كتاب زبغنيو بريجنسكي الجديد: strategic vision: America and the crisis of global power الصادر هذا العام، يتطرّق بالتحديد إلى هذه النقطة، أي إلى الانحدار الأميركي، لكن من منظور الدعوة إلى تداركه. حين ننتهي من قراءة الكتاب، سنعرض للقراء الأعزاء أفكاره الرئيسة.

                                                                                    سعد

الخميس، 30 أغسطس، 2012

رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأسد






- I -
- الأسد: لمن يستمع؟ - الصورة من غوغل
عزيزي الرئيس
شاهدنا مقابلتك على فضائية "الدنيا". الاستنتاج الوحيد الذي خرجنا به منها هو أنك، وعلى رغم مرور سنة ونصف السنة على الانتفاضة، لاتزال تراهن على الحلول العسكرية- الأمنية، وتستبعد أي تسويات سياسية إلا تحت مظلة هذه الحلول وشروطها.
أسمح لنا يا سيادة الرئيس أن نصارحك بالتالي:
أولاً، الحل العسكري انتهى أجله ولفظ أنفاسه. فمالم تستطع أن تفعله خلال 18 شهراً متواصلاً مما تسميه "الحرب الحقيقية" في البلاد، لن تتكمن من فعله في الاشهر لابل في السنوات المقبلة. فالشباب السوري، الذي هو وليد مابات يُسمى "طفرة اليافعين الديمغرافية" (  Demographic Youth Bulges), هم الذين يجعلون من هذه الثورة ثورة.
هؤلاء الفتية، على عكس ماتعتقد وتقول، ليسوا إرهابيين ولا عملاء لتركيا والسعودية وأميركا، بل هم جزء من ظاهرة ديغرافية عربية شاملة قوامها التالي: ارتفاع كبير في أعداد االشباب (بالمقارنة مع معدلات الأعمار الأخرى) من جامعيين لايجدون عملا، ومزارعين أو ريفين لا يحصدون في حقولهم سوى الخيبة وفقدان الأمل بعيش كريم، ومثقفين لم يعد لديهم استعداد، كما آبائهم وأجدادهم، لمقايضة الحرية الفردية وحقوق الإنسان بشعارات تحرر الأمة الخالدة، والمقاومة والممانعة، والعداء الاسمي لإسرائيل.
كل هؤلاء يا سيادة الرئيس يرقصون على إيقاع ثورة المعلومات والاتصالات التي جعلت من ثورتهم أمراً ممكنا، تماماً كما أن توفُّر المطابع والكتب كانت وراء نجاح شباب فرنسا في إشعال ثورة 1789.
كل هؤلاء لن يعودوا بعد الآن إلى منازلهم قبل تحقيق أهدافهم في الحرية والخبز والكرامة الإنسانية. وإذا كنت لاتصدّق بعد هذه الحقيقة، يكفيك أن تتتفرّس في وجوه الشباب الثوار بعد كل مجزرة ترتكبها دباباتك أو طائراتك، لتدرك أن ثورة الشباب وجدت حقاً لتبقى، وأن عهد امبراطورية المخابرات سقط بالقاضية على يد فتية يفضلون الموت على الخوف.

- II -
ثانياً، نعلم أن الدبلوماسي المخضرم وليد المعلّم أقنع نفسه وأقنعك بأنك (كما  كانت أيضاً جماهيرية القذافي الشعبية الديمقراطية العظمى تعتقد) تتعرّض إلى "هجوم كوني" عليها. قد نفاجئك هنا يا سيادة الرئيس حين نقول لك أن المعلّم على حق!. ثمة بالفعل هجوم كوني لتغيير نظامك او حتى لقلبه. ولو أن والدك حافظ كان حيّاً الآن لأدرك سريعاً هو أيضاً هذا الأمر، لكنه كان سيتصرف بشكل معاكس لما تفعل أنت: بدل أن يضع عينه في وجه هذا المخرز الدولي، كان سيحاول التأقلم معه والنفاذ من ثقوبه.
لماذا كان حافظ سيفعل ذلك؟
لأنه ببساطة سيتطلع حوله، وسيكتشف أن الهجوم عليه جزء من هجوم على باقي أعضاء الطاقم القديم  من"النادي الأميركي" في الشرق الأوسط الذي كان يضم، إلى والدك، مبارك وبن على وعلي صالح (والعد مستمر).
أميركا يا سيادة الرئيس قررت، بعد 11 سبتمبر، تغيير دفة سياستها الشرق أوسطية: من الاعتماد على الأنظمة السلطوية إلى الرهان على المجتمعات المدنية، كوسيلة لمكافحة الإرهاب ولذلك النوع المحدد من التطرف الأصولي الذي يهدد مصالحها. وللحقيقة والتاريخ، أوباما منحك العديد من الفرص كي تكون في عداد "النادي الجديد" الذي بدأت تبلوره الآن، لكنك لم تلتقط هذه الفرصة ولم تدرك التحوُّلات العميقة التي حدثت في البيئة الدولية المحيطة ليس فقط بنظامك بل أيضاً بكل النظم العربية.
ثالثاً، أقنعك المعلّم (الذي هزأ من حلف الأطلسي في ليبيا مع بدء العمليات العسكرية) والإيرانيون ومستشاريك في لبنان ميشال سماحة ووئام وهاب، أن العالم انشطر إلى معسكرين نهائيين: روسيا والصين من جهة، وأميركا وأوروبا من جهة ثانية، وأن المسألة باتت مسألة وقت قبل أن يتم طرد الغرب بشطريه من الشرق الأوسط بزعامة إيران.
حسنا. ربما يتبيَّن لك الآن أن هذا وهم داخل وهم. فروسيا لاتريد لاحرباً باردة جديدة ولاسباق تسلح مع أميركا، بل تسعى إلى حجز مقعد لها في قمرة قيادة العولمة الأميركية (وهي خطت الخطوة الأولى نحو ذلك عبر قبولها مؤخراً في منظمة التجارة العالمية). وكذا الأمر بالنسبة للصين التي تضع الأولوية المطلقة للنمو الاقتصادي، ولاتمارس الفيتو من أجلك في مجلس الأمن سوى لـ"مداعبة" ذيل الذئب الأميركي وابتزازه.
أجل. النظام العالمي متعدد الأقطاب الأقطاب آتٍ لامحالة. لكن ليس الأن. ربما بعد عقدين أو ثلاثة حين تستكمل الصين نهضتها الكبرى، وتنضم إليها الهند واليابان لإعادة صياغة هذا النظام الجديد؛ وأيضاً بعد أن "تغرق" أوروبا في قعر المحيط الأطلسي وتُيمم أميركا وجهها تماماً نحو المحيط الباسيفيكي.
وفي هذا السياق، لاتستغرب يا سيادة الرئيس أن يبيع الروس والإيرانيون رأسك في أي لحظة بثمن معقول، إذا ما شعروا أن موعد الصفقات أزف، خاصة وأنهم بدأوا يتحدثون في مجلسهم الخاصة عنك بتعابير سلبية للغاية.

- III -

الآن، إذا ماجمعنا كل هذه العوامل معاً، سينبثق منها فوراً سؤال كبير: لماذا تواصل القتال، وأنت  تعلم (أو هكذا يفترض) أن النصر بات مستحيلاً، وأنك فقدت حظوتك السابقة مع الجميع تقريبا، وحتى مع إسرائيل التي قال قريبك رامي مخلوف أن أمنها من أمن النظام، حيث ذُكِر أنها تتشاور مع روسيا لإيجاد بديل لك.
 إذا ما كنت قد قررت ألا تكون من "أشباه الرجال" الذين اتهمتهم بالجبن في حرب 2006، فهذه شجاعة  قد تشعرك بالسعادة داخلياً. لكنها قد تؤدي بك إلى التهلكة، أو إلى محكمة الجنايات الدولية (كما سلوبودان ميلوسوفيش وزميله ملاديتش)، أو إلى المقصلة، لأنها في الواقع ليست شجاعة بل تهوّراً مجنونا. والدك لم يكن ليفعل ذلك أبدا.
إذا ما قررت الانتحار يا سيادة الرئيس، فهل يجب أن تجر معك إليه أولادك وزوجتك وعائلتك، وأطفال وعائلات طائفتك وسورية برمتها؟
تعالى يا سيادة الرئيس عن أساطير الشجاعة وأوهام نظام دولي جديد لن يولد في أي وقت قريب، وانزل إلى عالم الواقع. فهذا العالم سينبؤك سريعاً بأن كل أنين طفل، ونحيب كل أم ثكلى، ونقطة دم أي شاب سوري، أصدق أنباء من الأنا ( Ego) التي حين تبدأ بالتضخمم لاتنتهي إلا بقتل صاحبها.
ويبدو، من أسف، يا سيادة الرئيس أن "أناك" بدأت تُفلت من عقالها، فلم تعد ترَ من الواقع سوى ما تريد أن تراه، تماماً كما حدث من قبل مع العقيد القذافي عشية مصرعه المريع والمأساوي.

                                                                             سعد

الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

هل بدأ مُرسي "يتمرَّد" على واشنطن?

  

- I -
لاجدال بأن الرئيس المصري الجديد محمد مرسي بدأ يضخّ روحاً جديدة في السياسة الخارجية المصرية، وفي دور مصر في السياسات الشرق أوسطية وإلى حد ما الدولية.
-مرسي وكلينتون: لادَوْسَ على الأصابع -لصورة من غوغل
فمن خصِّه المملكة السعودية بأول زيارة له إلى الخارج (على رغم أنها تعرَّضت إلى انتقادات حادة وسمتها بـ" الرضوخ والإستسلام" للرياض)، إلى طلب العلم والاستثمارات من الصين، وانتهاء في وقت لاحق بزيارته لإيران، كان مُرسي يطلق رسائل واضحة في كل الاتجاهات بأنه ينوي الطلاق مع كل التوجهات الخارجية لنظام الرئيس مبارك السابق، وإستعادة ماتيسَّر من زعامة مصر التقليدية في المنطقة.
لكن مهلا. إلى أي حد يمكن أن يذهب هذا الرئيس، الذي جاء من رحم جماعة عاشت طيلة تاريخها المديد اضطهاداً متواصلاً (الأخوان المسلمين)، في اندفاعته الاستقلالية، من دون أن يدوس على أقدام الولايات المتحدة وبقية أعضاء النادي الغربي؟.

- II -
بداية، يمكن القول أن القطيعة مع الانكفاء المباركي لاتعني الوصل مع الانطلاقة الناصرية الهائلة في الخمسينيات والستينيات في المنطقة العربية. الظروف الدولية تغيرّت بالكامل. فبيجينغ، التي كرَّمها مرسي بجعلها أولى محطاته الخارجية (قبل واشنطن) ليست في وارد تشكيل قطب دولي منافس لأميركا على الزعامة العالمية قبل العام 2010 على الأقل. أما روسيا فهي أبعد ماتكون عن احتمال لعب دور الموازن لأميركا ولو اسميا، بفعل ضعفها الاقتصادي والعسكري الشديدين. ثم أنها لاتريد قلب النظام الدولي كما سلفها الاتحاد السوفييتي، بل أن تكون بدلاً من ذلك برغياً من براغي آلته الاقتصادية العملاقة (موسكو انضمت مؤخراً إلى منظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات دامت 18 سنة متواصلة).
هذا على الصعيد الدولي. أما على الصعيد الإقليمي، لن يكون هناك مبرر للولايات المتحدة وإسرائيل كي تقلقا من الشعارات اللفظية التي يطلقها الناطقون باسم الرئيس المصري حول "وحدة الدول الإسلامية"، ولا من أولى مبادراته الخارجية الخاصة بتشكيل فريق عمل لحل الأزمة السورية يضم إلى مصر إيران والسعودية وتركيا. فلا هذه الشعارات ولا تلك المبادرة ستؤدي إلى قيام كتلة إسلامية عملاقة في الشرق الأوسط.
لماذا؟
لأن الخلافات بين الإخوان المسلمين وبين السعودية أشبه بنار أثينا التي لاتنطفىء. وكذا الأمر بالنسبة إلى الخلافات بينهم وبين إيران الشيعية التي يعتبرها الكثيرون منهم "من الروافض". أما موقف جماعة الإخوان من تركيا فهو أشبه بالشيزوفرانيا (انفصام الشخصية). فالجناح الليبرالي فيها يحبِّذ نموذج الإسلام الليبرالي التركي، فيما الجناح السلفي يرفضه جملة وتفصيلا. لكن كلا الجناحين معاً يعتبران أنقرة (أو بالأحرى اسطنبول) منافساً خطراً لمصر على الزعامتين العربية والإسلامية.
وبالتالي، اقتراح مرسي بتشكيل هذا الفريق الرباعي، هو مجرد تكتيك براغماتي لإعادة مصر إلى لوحة السياسة الشرق أوسطية، خاصة وأنها كانت غائبة عن شاشات الرادار طيلة الأشهر الـ18 الماضية من يوميات الثورة السورية، فيما تركيا وإيران والسعودية غاطسة فيها حتى أذنيها وستقطف جوائزها حين تقع الثمرة السورية (قريباً على الأرجح) بين أحضانها.

- III -

القلق الأميركي، إذا، من اندفاعة مرسي لتحريك مصر خارج حدودها للمرة الأولى منذ نيف و30 عاما، غير مبرر أو هو على الأقل مبالغ فيه، خاصة إذا ماوضعنا في الاعتبار الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية الطاحنة في مصر.
فتجربة الإخوان المسلمين في السلطة ستنجح أو تفشل ليس في مجال السياسة الخارجية بل في عرين السياسات الداخلية. وما لم يتمكّن مرسي من وضع قطار الاقتصاد المصري على سكة التنمية السليمة ومن الحفاظ على الحريات وحقوق الأقليات، وبالسرعة اللازمة، فسيكون عُرضة إلى تنافس ساخن بين العديد من الأطراف الخارجية والداخلية معاً لقذفه هو والجماعة من القطار.
ثم هناك نقطة قد تكون أكثر قدرة على توضيح الأمور: من يريد أن يشق عصا الطاعة على واشنطن، لايندفع إلى قبول شروط صندوق النقد الدولي حول قرض الأربعة مليارات دولار، كما فعل الرئيس مرسي.
هذه تنفي تلك.

                                                                                سعد  



الثلاثاء، 28 أغسطس، 2012

إيران: داخل "غُرفة نوم" الملالي!


- I -
قرار الحكومية الإيرانية الأخير بمنع الفتيات من التخصُّص في 77 حقل دراسة جامعية، بينها الفيزياء النووية، والهندسة الصناعية أو النفطية، والقانون، واللغة الإنكليزية وآدابها، وعلوم الكومبيوتر وأدارة الأعمال، وإدارة الفنادق، والمحاسبة، وغيرها، كان آخر صيحة من صيحات "ثورة الذكور على الإناث" في بلاد الخميني.

- تحرُّر إيران يتطلب تحرر المرأة- الصورة من غوغل 

هذا التعبير، إي ثورة الذكور، ليس من عندياتنا. إنه للإيرانية لشيرين أبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، حين قالت مرة:" مع أن ثورة 1979 في أيران توصف غالباً بأنها ثورة إسلامية، إلا أنه يكمن القول في الواقع انها ثورة الرجال على النساء... إن واضعي قانون العقوبات الذي يوصَف بأنه إسلامي أعادونا 1400 سنة إلى الوراء".
التبرير الذي قدمته الحكومة الإيرانية لهذا القرار الغريب هو أنها تريد أن تحمي الفتيات الخريجات من غائلة البطالة، لأنهن لايجد وظائف في هذه الاختصاصات. بيد أن هذا كان عذراً أقبح من ذنب، كما يقال، وهو أشبه برمي حوض مياه الاغتسال والطفل معاً بعد الانتهاء من الحمَّام، بحجة الحفاظ على النظافة.
ثم أن هذا الحظر، الذي لايمكن توصيفه إلا على أنه تمييز عنصري فاقع ضد نصف مخلوقات الله من البشر، لم يكن صاعقة في سماء، بل هو جاء فيما ترقص إيران على إيقاع التصعيد الكبير في الحملات ضد المرأة في طول البلاد وعرضها. الهدف؟ إنه واضح: حرف أنظار المواطنين الإيرانيين عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تجتاح البلاد، ليس بفعل العقوبات الغربية وحدها بل أولاً وأساساً بفعل الفساد الجامح والمتفلِّت من أي قيد (وبالطبع أيضاً من أي إدعاءات عن أخلاق الشريعة والإسلام) في الدولة والاقتصاد ومؤسساتهما.
فخلال فترة قصيرة، كانت "الشرطة الأخلاقية" الإيرانية تُغلق دفعة واحدة 53 مقهىً،  و78 مطعماً، و80 منصة في معرض المواد الغذائية العالمي، بحجة أن الفتيات والنساء لاترتدين الحجاب على نحو لائق. كما كان يتم اعتقال وإهانة فتيات يافعات تبعاً لـ"إجتهاد" عناصر الشرطة الأخلاقية حول مايجوز ومالا يجوز شرعا.
استنتاج أبادي حول ثورة الرجال على النساء تبدو دقيقة وصحيحة. فالإناث في إيران يتفوَّقن على الذكور في الجامعات حيث تبلغ نسبتهن 70 في المئة من إجمالي الطلاب. وحين تُجرى اختبارات الدخول إلى الجامعات، تفوق نسبة الفتيات الناجحات ضعف نسبة الذكور. ثم أن النساء اجتحن حقولاً واسعة كانت حصناً للرجال مثل الصحافة والطب والقانون وأنشطة حقوق الإنسان وبعض حركات المعارضة السياسية.
النظام البطريركي الإيراني يعتبر كل هذه التطورات "خطراً على أمنه القومي"، لأنه مؤمن أن تحرر المرأة ونيلها حقوقها المدنية، ناجم عن "مؤامرة خارجية غربية". قد يبدو هذا الربط غريباً، لكنه ليس كذلك إذا ما ولجنا إلى نمط تفكير قادة إيران حيال هذه المسائل. كيف؟
هذه بعض العيّنات( مستقاة من مقال مُثير للكاتب الإيراني كريم سادجبور في مجلة "فورين أفيرز- العدد 193- 2012 تحت عنوان "أية الله تحت ملاءة السرير"):
- II -
في الأيام الأولى المبكرّة للثورة الإيرانية، أصبح  رجل دين مغمور يُدعى أية الله جيلاني حالة مُثيرة وجذابة على التلفزيون التابع للدولة بسبب تمعنه وتفكُّره باجتهادات غريبة تتمحور حول نقطة التقاطع بين الشريعة الإسلامية وبين النشاط الجنسي. وكانت أكثر سيناريوهاته غرابة(والتي لايزال الإيرانيون يسخرون منها بعد ثلاثة عقود من إطلاقها) هي التالية:
        تخيّل أنك شاب تستلقي في غرفة نومك. وفي غرفة نوم أخرى تحت غرفتك مباشرة تستلقي خالتك وهي مستسلمة لملاك النوم. الآن تخيّل أن زلزالاً دكّ طابق غرفة نومك فتسبب بوقوعك مباشرة فوق خالتك. وهنا دعونا نفترض على سبيل المناقشة انكما معاً عاريين وأن عضو الذكر لديك منتصب وأنك تحط بدقة متناهية فوقها بحيث أنك تقوم بالممارسة الجنسية معها عن غير قصد. فهل الحدث المتوّلد عن لقاء المصادفة هذا "حلال زادة" (حلالاً) أم حرام زادة (حراما).
قد يبدو هذا النوع من القصص السوقية العشوائية أمراً شاذاً في مايبدو أنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية المتزمتة والصارمة ضد الجنس.  لكن "عرض جيلي" هذا، كما كان يُعرف في طهران، كان له أنصار كثر بين كلٍ من الطبقات التقليدية التي كانت تدغدغها القضايا المحرّمة التي كان يطرح، وبين نخب طهران التي كانت تشاهد العرض بوصفه استراحة فكاهية. لقد ساعد جيلاني على تفريخ ماهو الآن صناعة افتراضية صغيرة ومنتظمة نجومها رجال دين وأصوليون تحوّلوا إلى علماء سكسولوجيا (دراسة علم الجنس) يقدمون نصائح غير متّسقة حول كل شيء، من الاعمال السريعة (يتعيّن أن يكون هدف الرجل تخفيف أحماله في أسرع وقت ممكن من دون إثارة زوجته)، إلى العادة السرّية (وهي فاحشة خطيرة، خطيرة، تُسبب برأيهم ضرراً علمياً وطبيا).
والواقع أنه قد لايكون مفاجئاً تماماً أن يقوم أصوليو إيران الشيعة، كما نظرائهم المسيحيين الإنجيليين والكاثوليك والأرثوذكس واليهود والمسلمين السنّة، بتكريس كم مفرض من الوقت للأمور الجنسية. إذ هم بشر بعد كل شيء. بيد أن الاهتمام الجامح للاصوليين الدينيين الإيرانيين بالجنس يستأهل تدقيقاً أكبر، خاصة وأنهم يسيطرون على دولة لها مطامح نووية، وتملك ثروة نفطية ضخمة، وسكان يافعين ديناميكيين ومكبوتين ومحبطين. لكن، ولأسباب متباينة، يتم غالباً بدأب تجنُّب النفاق الملحوظ للنظام الإيراني.
بيد أن هذا خطأ. فبما أن الدين هو سياسة في دولة ثيوقراطية (دينية) كإيران، لاتكون الآراء غير القديمة أو غير المستندة إلى معلومات موثوقة قصراً على غرف النوم، بل هي تخترق حلقات البحث، والثكن العسكرية، وصفوف الدراسة، وأقواس المحاكم. والقول المأثور عند الإيرانيين هو أن الناس قبل الثورة كان الناس يقيمون الحفلات خارج المنزل ويُصلّون في  داخله، فيما هم اليوم يصلّون خارج المنزل ويقيمون الحفلات داخله. وهذا الانشطار المعكوس ينطبق أيضاً على مروحة من السلوكيات الاجتماعية في إيران. وبالنسبة إلى الكثير من الإيرانيين، هذه الحالة الشاذة من الأمور التي باتت متجذرة للغاية الآن وتستطبطن التفاعلات اليومية مع المؤسسة الرسمية، إلى درجة أنها لم تعد تثير الاهتمام.
 في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست كل السياسات جنسية، لكن كل الأمور الجنسية سياسية. التمظهر الأول لهذه الحالة جسّده أبو الثورة الراحل، أية الله روح الله الخميني. فمثله مثل كل رجال الدين الشيعة الذين يطمحون لأن يصبحوا مراجع التقليد، أمضى الخميني الجزء الأول من زمن مهنته وهو يتفحص بدقة شديدة ويطلق الإرشادات الدينية حول السلوك الشخصي والنقاء الشعائري اللذين تراوحا  بين ما هو دنيوي (التوصية بعدم قمع الحاجة إلى التبوُّل أو التبرُّز، خصوصاً إذا ماكانا يتسببان بآلام) وبين ماهو، بشكل مدهش، مثير للشهوة.
في مقالته الدينية العام 1961 بعنوان توضيح المسائل ، أطلق الخميني بيانات مفصلة حول قضايا ترواحت من اللواط ("إذا ما مارس رجل اللواط مع ابن، أو شقيق، أو والد زوجته، بعد الزواج، يبقى الزواج صالحا") إلى البهيمية (إذا ما أقام شخص علاقة جنسية مع بقرة، أو نعجة، أو جمل، فإن بول وروث الحيوان يصبح غير نقي، ولذا شرب حليبه يصبح محرما).
يقول الباحث الإسلامي مهدي خالاجي، وهو طالب سابق في الحاضرة الدينية الرئيسة في قم، أن المشكلة الجوهرية لاتكمن في أن هذه القضايا جرى التطرق إليها، بل في الحقيقة بأن "التشريع الإسلامي لم يُحدًّث بعد، وهو منفصل كلياً عن القضايا التي يتعيّن على الناس المعاصرين والمدينيين التعاطي معها.
والواقع أن فتاوى الخميني غالباً ماتكون محور نكات الجيل الإيراني لحقبة مابعد الثورة. وقد قال لي رسام الكاريكاتور البارز نيكاهانغ كوثر: إني لم أر في حياتي جملاً في طهران، ناهيك عن بروز رغبة لدي بممارسة الجنس معه".

- III -
لقد اكتشف الثوريون الإيرانيون، كما أندادهم في مصر اليوم- وبعض اليمين المسيحي الأميركي-  أرضاً خصبة يستطيعون أن يمارسوا فوقها سياسات التقوى الشعبوية بدلاً من المجابهة الجادة  للتحديات الاقتصادية الخاصة ببناء اقتصاد متنوّع. ومما سهّل لهم هذا الأمر للغاية توافر ثروات نفطية هائلة. الخميني نفسه له رأي شهير في رفض الاقتصاد، حين قال أن هذا الأخير هو لـ"الحمير". كما ردّ على الشكاوي حول التضخم بالقول:" الثورة لم تنشب من أجل سعر البطيخ". وبعدها بثلاثة عقود، كانت النتيجة واضحة وجلية: في العام 1979، كان الانتاج المحلي الإجمالي لإيران الغنية بالموارد الطبيعية نحو ضعف انتاج تركيا الفقيرة بالموارد. اليوم الانتاج الإيراني نصف التركي.
* * *
هل ثمة حاجة، بعد كل هذه المعطيات لرفع الحواجب دهشة، حين نسمع أن "الثورة الدينية" الإيرانية تمارس شتى أنواع التمييز العنصري ضد الفتيات والنساء، باسم الإسلام؟
                                                                                سعد
  







الأحد، 26 أغسطس، 2012

لا كُهولة بعد اليوم، بل شبابٌ دائم؟ كيف؟


- I -
هل صحيح أن جسدنا أكثر شباباً بكثير مما نعتقد؟ وهل الرجل او المرأة اللذان بلغا الخمسين والستين أو السبعين ، لا يتجاوز العمر للخلايا فيهما اكثر من 10 سنوات؟
 -  نفق الشباب الدائم في ميونيخ- غوغل
 كلا، نحن لا ننتحدث هنا عن المعنويات او الروحانيات، بل عن حقائق علمية  بدأت تتكشف الان رويداً رويداً لترسم مايمكن أن يكون " خريطة طريق " جديدة لنمط حياتنا وأسلوب عيشنا.  حقائق تجعلنا ندرك أن المشاعر والأفكار حول أعمارنا،  لاتعكس حقيقة مايجري داخل أجسادنا. لكن كيف؟

- II -
الجواب قدمه مؤخراً البروفسور جوناس فريزن، الباحث البيولوجي في علم الخلايا الجذعية في مؤسسة ستوكهولم، بعد سنوات طويلة من الدراسات توصّل في نهايتها إلى الخلاصات الرئيسة الأتية:
1- متوسط عمر كل الخلايا، عدا غشاء المخ،  يترواح بين 7 إلى 10 سنوات حين يكون العمر العام للانسان 60 عاماً. فجسم الأنسان في حالة حركة وسيولة دائمين حيث تولد خلايا جديدة يومياً  وتُلقى الخلايا القديمة في سلة المهملات( الطحال) .
2- ثمة تباين في الفترات الزمنية لميلاد الخلايا وموتها. وعلى  سبيل المثال، خلايا المعدة لاتعيش أكثر من أيام قليلة. وخلايا الكريات الحمر ينتهي أجلها بعد أن تسافر مسافة 1000 ميل في الدورة الدموية. هذا في حين ان خلايا الهكيل العظمي برمتها تتجدد كل عشر سنوات لدى البالغين.
3- حتى الآونة الاخيرة، كان يعتقد أن الخلايا الوحيدة التي تبقى ثابتة من المهد إلى اللحد هي خلايا غشاء المخ ( عدا مناطق الشم والذكريات القصيرة فيه) ، وعضلة القلب . لكن الأبحاث الأخيرة اكتشفت وجود خلايا عصبية جديدة في الغشاء وعضلات القلب،  وإن بوتائر نمو أقل سرعة بكثير من خلايا الأعضاء الأخرى.
- III -
الآن، وطالما أن جسمنا فتي ومتجدد  لهذه الدرجة، لماذا نشعر إذاً بأننا مترهلون أو بأننا نتقهرقر  إلى الوراء حين نتجاوز الأربعين؟
السبب سببان: الأول، أن خلايا الذاكرة التي لاتتطور أو تتجدد، تجعلنا نعتقد خطأ بأن كل خلايا الجسم على شاكلتها. وهذا ثبت الآن انه غير صحيح. والسبب الثاني ( وهو مشتق من الأول) أن هذا الأعتقاد المخطىء نفسه، يولّد ممارسات حياة خاطئة، فيميل البالغون إلى التراخي العضوي والسايكولوجي، ووقف النشاطات الرياضية، والأستسلام النفسي الخطر لفكرة التدهور التدريجي للجسد.
والحصيلة؟
إنها واضحة: يجب  العمل على إحداث إنقلاب في مفاهيمنا حول العمر والحياة والصحة، وبالتالي في نمط عيشنا. فحين نتذكّر أن معظم خلايا أجسادنا فتية ونقية لهذا الحد، تنبع فوراً  قوة داخلية جديدة فينا تدفعنا إلى الحيوية والحركة والنشاط.
ونحن هنا لا نتحدث فقط عن الحيوية الفردية السايكولوجية فقط، بل أيضاً عن الحيوية الجماعية السياسية الضرورية لمكافحة تصلّب شرايين بعض أنظمتنا السياسية الهرمة !

                                                                       سعد