للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 20 يوليو 2012

السعودية: ماذا يعني صعود الأمير بندر؟





                                            - I - 
في كتابه عن سيرة حياة الأمير بندر(1) كتب وليام سيمبسون:
"حين كنت أقارب هذه السيرة، سألت نفسي: كيف يمكن أن أوصِّف على نحو دقيق رجلاً هو في جوهره لغز؟ هل هو رجل سلام، كما يقول عنه نيلسون مانديلا، ورجل مباديء وضمير وفضائل أخلاقية؟ أم هو، كما يقول البعض، في ضوء فن دبلوماسيته السري ومن وراء الكواليس، أمير ماكيافيلي يفتقر إلى الأخلاقيات السياسية وتغشاه النزعة النفعية وحدها: فهو داهية ماكر، وغدّار بطبعه، ولا أخلاقي في سلوكياته ونشاطاته؟ رجل تسبّب بحرب الخليج وسهّل جهود إدارة بوش الاستباقية لغزو العراق"؟


سيمبسون يميل بالطبع، في نهاية كتابه إلى التقييم الأول، إذ هو صديق وزميل قديم للأمير. لكن هذا لايقلل من أهمية هذا الكتاب. فهو غني بالمعلومات والتفاصيل عن سيرة الحياة الذاتية لهذا الرجل الذي لعب أدواراَ ضخمة في الدبلوماسية الدولية تتخطى بكثير وظيفته السابقة كسفير للمملكة السعودية لدى واشنطن (1983-2005). لا بل يقال أيضاً أنه شارك في صنع السياسة الخارجية لأكبر قوة عظمى في العالم، من خلال تحوّله إلى "لاعب داخلي" في كل الإدارات الأميركية التي تعاقبت على البيت الأبيض مذذ أوائل الثمانينيات، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في كل أنحاء العالم.
كل هذا كان يجري من وراء الكواليس. وهذا ماجعل هذا الأمير، الذي قال سيمبسون أنه كان يناضل طيلة حياته لنيل اعتراف والده الأمير سلطان به،  لغزاً داخل لغز، أو كقوة الجاذبية التي  تشعر بها شداً وجذباً لكن لا تراها.
ثم: الأمير نفسه يعتبر نفسه هو أيضاً لغزا. فهو وصف نفسه مرة قائلا: انا أعشق اللاأمن. أنا لست آمنا. أنا قلق. لكني لا أسمح لهذا القلق واللاأمن أن يوقفاني عما ثمة حاجة لفعله".

- II -
ما مناسبة هذا الحديث الآن؟
أنه بالطبع تعيين الأمير بندر مديراً للمخابرات بدلاً من الأمير مقرن بن عبد العزيز، إضافة إلى موقعه الحالي كأمين عام لمجلس الأمن القومي السعودي.
هذا التعيين أثار زوبعة من التساؤلات: لماذا هذا التعيين الآن، وماذا يعني، خاصة حين نتذكر أن مجرد تعيين بندر أميناً عاماً لمجلس الأمن القومي في 16 تشرين الأول/أوكتوبر 2005 جعله واحداً من أقوى الشخصيات في السعودية. إذ هذا المجلس يتمتع بصلاحيات شاسعة تتضمن حق إعلان الطواريء والحرب، والإشراف على وكالات المخابرات، والتعاطي مع الفساد والإهمال في الحياة العامة.
علاوة على ذلك، كان بندر قد أبلغ سيمبسون في وقت سابق أنه كان ينوي التقاعد والتفرُّغ لحياته العائلية في لندن قبل تعيينه في الأمن القومي. لكن يبدو الآن أن النقيض تماماً سيحدث: الانغماس المطلق في كل عواصف السياسة وأهوائها.
ماذا ستكون المهمة الجديدة المحددة لبندر؟
وول ستريت جورنال تعتقد أن الأمير سيُطلق سياسية خارجية سعودية "أكثر طموحاً" على حد تعبيرها. هذا في حين كان المحلل السياسي عبد الله الشمري يذهب أبعد من ذلك. قال:" في هذه اللحظات المحمومة للسياسة الخارجية السعودية، نحتاج إلى بندر بن سلطان. إنه بركان، ونحن في حاجة إلى بركان في هذه اللحظات".
بالطبع، التطورات المتلاحقة والمتلاهثة التي تمر بها المنطقة، من الصعود الشاهق لحركات الإخوان المسلمين في العديد من الدول العربية، إلى دخول الإسلام الليبرالي التركي على خط السياسات الشرق أوسطية لأول مرة منذ انهيار الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين، مروراً بوصول الأزمة النووية الإيرانية إلى المرحلة الحرجة، وصعود الشيعة في العراق، وثورة البحرين، والتشنجات الديمقراطية في الكويت، كل ذلك يتطلب بالفعل استراتيجية خارجية من نوع جديد.
أضف إليها مايبدو واضحاً أنه قرار من أعلى مستويات المؤسسات الأميركية (وليس الآن فقط بل منذ العام 2001) لتغيير الوجه السياسي- الإديولوجي لأنظمة المنطقة، فتصل إلى الاستنتاج بأن المملكة في حاجة بالفعل إلى هذه الشخصية "البركانية" لمحاولة انقاذ السفينة من الغرق في هذا البحر العاصف واللجب، لا بل التاريخي أيضا.
وهكذا، يمكننا من الآن فصاعداً توقّع تحركاً سعودياً كثيفاً على كل الجبهات الخارجية، سواء من أمام الكواليس أو من ورائها، لمحاولة إعادة التوازن إلى المواقع الجيو- استراتيجية للبلاد.
لكن، هل سيكون هذا الجهد في السياسة الخارجية كافياً، أو منقذاً من ضلال هذه المرحلة؟

- III -
الكثيرون، ونحن منهم، لايعتقدون ذلك.
فطبيعة التحديات التي تواجه السعودية، لاتشبه البتة أي تحديات عاينتها طيلة أكثر من نصف قرن. فالخصم هنا لم يعد الشيوعي المُلحد في أفغانستان واليمن الجنوبي، ولا القومي العربي والناصري في مصر والمنطقة، ولا حتى الإسلامي الإيراني (طالما أنه شيعي وفارسي). التحدي الآن ينبع من داخل الرحم الإسلامي نفسه، وبتدخل كثيف من الولايات المتحدة، كما يعرف جيداً بالطبع الأمير بندر.
المسألة الآن أصبحت صراعاً بين إسلام ينحو إلى الديمقراطية على النحو التركي والإندونيسي والماليزي (والآن المصري والتونسي والليبي والعد مستمر)، وبين إسلام متكلِّس يحاول إبقاء الساعة مجمدة عند القرن الثالث عشر. وعلى رغم أن الأمد الزمني لمثل هذا الصراع سيتفاوت بين دولة وأخرى وفق ظروف كل منها الخاصة،  إلى أن اليد العليا ستكون في النهاية للإسلام الديمقراطي أو الليبرالي.
لماذا؟
لأن أحداث 11 سبتمبر أنهت "الحلف غير المقدس" (على حد تعبير جون كولي) بين الديمقراطية الغربية وبين الإسلام السلطوي، فبرز فجأة نواة تحالف بين واشنطن وبين القوى الإسلامية المستعدة للدمقرطة، وعلى رأسها بعض الأجنحة البارزة في جماعات الإخوان المسلمين. وأيضاً لأن العولمة، على حد تعبير توماس بارينت، لم تعد قادرة على التسامح مع أي دولة تعرقل تدفقات الأفكار والسلع والقيم المتعولمة الخاصة بالديقراطية وحكم القانون.
السعودية، وبعد كلٍ من أحداث 11 سبتمبر وفصول الربيع العربي، لن تكون جزيرة معزولة أو استثناء في هذا الانقلاب في المقاربات الدولية. ولذا، أي سياسة خارجية سعودية جديدة لاتتضمن توجهات داخلية جديدة تقود في النهاية، وإن بالتدريج، إلى شكل من أشكال الملكية الدستورية، ستكون مجرد حرث في البحر، أو بناء قصور على رمال قديمة ومتحركة.
الأمير بندر كان هو العامل الرئيس وراء انضمام  السعودية إلى درة تاج العولمة: منظمة التجارة العالمية. لكن هذه الخطوة ستبقى "دعسة ناقصة" ما لم تتعولم السياسة في السعودية كما تعولم الاقتصاد، والاستهلاك، والتعليم.
فهل يدفع الصعود السريع الراهن لهذا الأمير- الطيار في سلّم السلطة السعودية، والذي شهد للمرة الأولى حلول أحفاد عبد العزيز مكان أبنائه( مقرن هو الأبن الـ35 لعبد العزيز)، البلاد نحو التحوّل السياسي الداخلي المطلوب قبل فوات الأوان، أم أن السعودية ستواصل المهمة المستحيلة الخاصة بقتال الربيع العربي في الخارج لتجنّب أي تغيير حقيقي في الداخل؟
الإجابة ستبقى لغزا، إلى أن يقرر "اللغز" الإفصاح عنها!

                                                                                     سعد