للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 7 ديسمبر 2017

القدس لا شىء، القدس كل شىء


 

-       - I

 
 
فلنفرض، مجازا، أن قرار الرئيس الأميركي ترامب الاعتراف بالقدس رسمياً عاصمة لإسرائيل، لم يكن (كما يقول توماس فريدمان والعديد من المحللين الأميركيين والأوروبيين) مجرد خطوة أخرى متهورة من رئيس "متهور وجاهل"، بل خطوة عقلانية وتكتيكية مدروسة سلفاً لتحقيق خطة مرسومة سلفا. فماذا يمكن أن تكون هذه الخطة؟
السيناريو يمكن حينها أن يكون على النحو التالي:
يكون إعلان الاعتراف الهزّة الأولى العنيفة التي يفترض أنها ستقلب كل معايير التسوية الفلسطينية (والعربية)- الإسرائيلية: بدلاً من ترك القدس لتكون اللغم الأكبر الدائم، القادر على نسف أي "ترتيبات نهائية" مقبلة، يُحسم وضعها فوراً كعاصمة أمر واقع لإسرائيل، على أن يُعطى الفلسطينيون لاحقاً إحدى ضواحي المدينة المقدسة (كمنطقة أبو رديس الشهيرة) كعاصمة لدولة الحكم الذاتي التي يجري الحديث الكثيف عنها الآن.
هنا، قد تسير الأمور في أحد اتجاهين:
اندلاع أعمال عنف واحتجاجات مديدة في أنحاء عديدة من العالم الإسلامي، في مقدمها بالطبع فلسطين، تطال المصالح الأميركية، أو  تحد على الأقل من حرية حركة النفوذ الأميركي في العالم. وحينها يتم تأجيل طرح "صفقة العصر" أو الصفقة النهائية" التي يُعدّها منذ أشهر صهر ترامب ومستشاره الأول جاريد كوتشنر.
أو اقتصار ردود الفعل على بعض المظاهرات والاستهدافات العنفية المحدودة ضد المصالح الأميركية، فيكون ذلك بمثابة الضوء الأخضر لإطلاق تسوية كوتشنر التي تتضمن، على مايشاع، ترتيبات جغرافية جديدة في كل من فلسطين 48 ومصر وغزة والضفة، ومشاريع بناء ضخمة لإرساء هذه الترتيبات الجغرافية على أسس اقتصادية تُغري العديد من الأطراف الفلسطينية والعربية على استبدال السياسة بالاقتصاد، والإديولوجيا بالمصالح المالية. على أن يلي ذلك فوراً التطبيع الرسمي للعلاقات العربية- الإسرائيلية، خاصة بين بعض الدول الخليجية والدولة العبرية.

-       - II

إذا ماصحّت فرضية هذين الاحتمالين "العقلانيين" لخطوة ترامب المقدسية، تكون الولايات المتحدة رمت الكرة في ملعب القوى الإسلامية المعارضة لمسألة التهويد الرسمي لمدينة القدس. وهنا لا نقصد فقط إيران وفلسطين والمنظمات الإسلامية المتشددة، بل أيضاً تركيا التي يعتبر قادتها الحاليون أن القدس بالنسبة إليهم "هي مسألة كرامة وخطاً أحمر ممنوع تجاوزه" (على حد تعبيرهم الدائم)، وحتى مصر التي كان شيخ الأزهر فيها مقداماً حين هدّد "بفتح أبواب جهنم ضد الغرب"، وصولاً إلى باكستان وإندونيسيا ومسلمي الهند وبنغلادش.

بيد أن نجاح أو فشل الرد الإسلامي على الخطوة الأميركية، لايتعلّق فقط بإبداء الغضب الملموس ولا حتى التهديد الفعلي للمصالح والنفوذ الأميركيين، بل في نقل الصراع على القدس من كونه مسألة "عقار" له أبعاد سياسية تقتصر على الجانب الفلسطيني، إلى قضية حضارية- تاريخية تتطابق مع الرمزية المطلقة لهذه المدينة في تراث الحضارة الإسلامية طيلة عهودها الألفية المديدة.

اليهود الصهيونيون يُطلون على هذه المدينة من هذه الزاوية بالتحديد، حين يربطون حاضرها في القرن الحادي والعشرين بماضيها قبل ثلاثة آلاف سنة، فيحوّلونها بالتالي من عاصمة سياسية إلى حاضرة وجودية وجيو- ثقافية لهم الحق الحصري في السيطرة عليها. وبالتالي، أي رد فعل يقوم به العالم الإسلامي يُسقط هذا العامل من الاعتبار، ويتطرق فقط إلى الجوانب المتعلقة بعاصمة الدولة الفلسطينية، سينسف كل مقومات موازين القوى الحضارية ، ويُسقط عن القدس كل أعماقها الاستراتيجية والرمزية والتاريخية. وهذا قد يُسدد ضربة موجعة لتاريخ الحضارة الإٍسلامية ومستقبلها.

بكلمات أوضح: المعركة التي دشّنها ترامب حول القدس، ومعه على الأرجح أطراف شرق أوسطية غير مرئية الآن على شاشة الرادار الدولي، ستكون إحدى العوامل الرئيسة التي ستُحدد دور الحضارة الإسلامية في النظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكّل مع صعود الحضارات الآسيوية العريقة إلى قمرة القيادة الدولية مجددا: فإذا ماجاء رد العالم الإسلامي جازماً وقويا، سيكون ذلك دفعة قوية نحو حجز مقعد لهذا الاخير في النظام العتيد. أما إذا ما جاء الرد ضعيفاً وسريع الزوال، فسيكون ذلك مدعاة لمواصلة إقصاء مليار ونصف مليار مسلم عن المشاركة في هذا النظام الجديد.

-  III  -

هذا على صعيد  العالم الإسلامي. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن أي رد إسلامي ضعيف سيشجّعها على المضي قدماً في خوض غمار صدام الحضارات الذي بشّر به ودعا إليه برنارد لويس وتلميذه صموئيل هانتينغتون مع الحضارة الإسلامية، ولاحقاً مع الحضارة الكونفوشيوسية. لكن هذا في الوقت نفسه قد يحقق نبوءة زبغنيو بريجنسكي (في كتابه الأخير "رؤية استراتيجية") التي قال فيها أن أميركا ستبدأ رحلة النزول عن عرش الزعامة العالمية، إذا ماغرقت في مستنقع المجابهات مع العالم الإسلامي.

القدس الآن هي المدخل إلى صدام الحضارات، كما إلى بلورة طبيعة موازين القوى في النظام العالمي العتيد بين حضارات العالم.

لماذا هي المدخل؟
لأنها، كما قال صلاح الدين الأيوبي للقائد العسكري الصليبي حين سأله عما تعنيه القدس بالنسبة إليه:
"لاشيء"، ومشى. ثم التفت إليه ثانية وقال:"كل شىء".
سعد محيو

____________

 

 

 

 

 

الأربعاء، 1 نوفمبر 2017


الزملاء والأصدقاء الأعزاء
بعد جهود متصلة دامت نحو السنتين، توصّلت نخبة محددة من المثقفين والمفكرين في إقليم المشرق المتوسطي، إلى وضع تصوّر أوّلي لمنتدى حواري جديد أُطلق عليه اسم "منتدى التكامل الإقليمي". سيسعى المنتدى إلى إطلاق عملية حوار في المنطقة، بهدف المساهمة في محاولة نقلها من الحروب العبثية المدمّرة الراهنة، إلى مرحلة التعاون والتكامل التي تضمن للأمم الأربع، الإيرانية والتركية والكردية والعربية، مستقبلاً مشرقاً مغايرا، وتعيد للحضارة المشرقية- الإسلامية دورها في النظام العالمي الجديد الذي يوشك أن يولد.
الترخيص الرسمي للمنتدى من وزارة الداخلية اللبنانية سيصدر خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. وفي تلك الفترة أيضاً، سيصدر أول إنتاج للمنتدى وهو كتاب :" الأتراك، الإيرانيون، الأكراد، العرب: تكامل أم انتحار". يقع هذا المؤلف في 340 صفحة، وهو يتناول كل الجوانب الدولية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية- الإديولوجية كافة التي قد تسمح أو تعرقل مسألة التكامل الإقليمي والسلام والتعاون في المنطقة.
تحياتي،
سعد محيو
في ما يلي نص الورقة التعريفية بالمنتدى:  -
 
 

 

منتدى التكامل الاقليمي

لماذا المنتدى؟ ومن يقف وراءه؟

من نحن؟

قبل نحو ثلاث سنوات، بدأت مشاورات أوّلية بين شخصيات فكرية وثقافية إيرانية وتركية وكردية وعربية، كان عنوانها الأبرز البحث عن أنموذج (Paradigm)  فكري- حضاري واستراتيجي أمني جديد للمشرق المتوسطي، يفترض أن يكون قادراً ليس فقط على انتشال الإقليم من وهدة الحروب العبثية الراهنة والصراعات المذهبية- الجيوسياسية المدمّرة، بل أيضاً على إعادة وضع الحضارة المشرقية- الإسلامية العريقة على خريطة الجهود الحالية لبناء نظام عالمي جديد؛ وهي الجهود التي باتت تشارك فيه الآن كل حضارات شرق وجنوب آسيا الناهضة، إلى جانب الحضارة الغربية.

هذه المشاورات لم تنطلق من تفكير رغائبي، بل استندت إلى فرضيات علمية ووقائع ملموسة نعتقد أنها توفّر بالفعل فرصة ذهبية لانطلاقة حضارية جديدة للأقليم، وهي:

أولاً:  النظام العالمي يمر في مرحلة انتقالية تاريخية كبرى، قوامها نزول الغرب تدريجياً عن عرش الزعامة والهيمنة العالميتين اللتين كان يتسنمّهما من دون منازع منذ معاهدة وستفاليا العام 1648، وولوجه أزمة تمزّقات مجتمعية كبرى يتعرّض فيها حجر الزاوية في مناحي قوته الإديولوجية والسياسية، وهي الدولة - الأمة، إلى التداعي السريع، بفعل انتفاء دورها ونفعها للرأسمالية وتحوّلها بالنسبة إليها من ضرورة كما كانت خلال القرون الماضية (للقضاء على الإقطاع وخلق السوق القومي الموحّد) إلى عقبة (أمام تحويل العالم كله إلى سوق واحد وقرية استهلاكية واحدة). النزعة القومية في القرن الحادي والعشرين، باتت بالنسبة إلى العولمة الرأسمالية ما كانه الإقطاع في أوروبا القرون الوسطى: حادث تاريخي فقد مبررات وجوده ويتعيّن تجاوزه سلماً، أو حرباً، أو تفتيتا.

وعلى رغم أن هذا التمزقات المجتمعية الهائلة لن تعني بأي حال غياب الغرب عن قمرة الزعامة العالمية، إلا أنه بات في حكم المؤكد أن هذا الأخير لم يعد قادراً على أن يكون الثاني للا شيء، بل سيتعيّن عليه أن يقبل (سواء سلماً أو عنفا أيضاً) نشوء نظام عالمي جديد مُتعدد الحضارات، بمشاركة كل حضارات الشرق القديمة.

ثانياً: أن تقدّم الشرق الآسيوي والتراجع النسبي للغرب، يوفّر فرصة تاريخية حقيقية أمام الحضارة المشرقية - الإسلامية كي تُطل برأسها مجدداً وتنهض هي الأخرى لتنضم إلى زميلاتها الآسيويات في بناء النظام العالمي الجديد مُتعدد الحضارات. بيد أن هذه الفرصة موضوعية، وهي يمكن أن تتبدّد هباء منثوراً في حال لم ترافقها وترفدها جهود ذاتية من جانب أركان هذه الحضارة، أولاً في المشرق المتوسطي بزعامة تركيا وإيران والعرب والأكراد، ثم في اندونيسيا وماليزيا والهند الاسلامية وباكستان. غياب مثل هذه الجهود لن يعني فقط ضياع هذه الفرصة التاريخية النادرة، بل أيضاً، وأولاً وأساساً، استمرار غرق المشرق المتوسطي في لجج "حرب الثلاثين سنة" الراهنة (على غرار حرب الثلاثين سنة الأوروبية التي قضت على نصف سكان تلك القارة في القرن  السابع عشر) ، أو حتى المائة سنة المقبلة (كما يتوقع، ويتمنّى، العديد من الرؤوس الحامية في الغرب)، وبالتالي بقاء معظم مكونات الحضارة- المشرقية الإسلامية كرجل العالم المريض الذي يجب فرض الحجر الصحي عليه، وتناتش مناطقه وموارده وأدواره بين دول العالم وحضاراته.

ثالثا: لم يعد في مستطاع المشرق المتوسطي فصل السياسة ومضامينها وموازينها عن مقوّمات الوجود الأخرى، سواء أكانت الوضع البيئي- الإيكولوجي في كل هذا الإقليم الذي يشكّل حقاً وحدة جغرافية- بيئية متكاملة ويتربع الآن على عرش المناطق الأولى في العالم المعرّضة إلى الكوارث الهائلة لتغيّر المناخ، أو الوضع الثقافي- الفكري، حيث باتت حاجة أمم الإقليم الأربعة، الإيرانية والتركية والكردية والعربية، ماسّة إلى أنموذج فكري (paradigm ) جديد وهوية جديدة تستند إلى القيم المشرقية- الإسلامية العريقة، ينتزعانها من إسار سلبيات ماضي القرن العشرين التي تمحورت حول الفكرة القومية الشوفينية والانفصالية، ويقذفانها مجتمعة إلى قلب القرن الحادي والعشرين، بكل مايحفل به من انقلابات، ليس فقط على صعيد العلاقات الدولية التي باتت قائمة على النزعتين الإقليمية والعالمية بدل نزعة الدولة- الأمة ، بل أيضا على صعيد الثورات الهائلة في العلم والتكنولوجيا والمفاهيم الجديدة المذهلة حول معنى وفلسفة الوجود نفسه، كما تقترحه الآن العلوم والفيزياء الحديثة.

هل هذا ممكن؟

كثرة في هذا المشرق المتوسطي يرون أن الإقليم يتجه نحو طريق واحد لا غير، يقود إلى استمرار المرحلة الراهنة من الدمار الشامل والعاصفة الكاملة، وانفلات غرائز الإبادات الجماعية، والقضاء المُمنهج والصارخ على الأنظمة البيئية ومقومات الحياة برمتها، وتقويض كل أو معظم منظومات الاجتماع البشري من قيم ومبادىء ومعايير حضارية وأخلاقية، ونسف مفاهيم السياسة العليا التي تُعلي من شأن الحياة الفاضلة للجماعة والفرد وأمّنا الطبيعة. اليد العليا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كانت بالفعل للتطرّف القومي والديني الفاشيين والقّبّلي والعشائري بين كل المذاهب والطوائف والإثنيات، وبدفعٍ من قوى دولية تعمل على إعادة رسم الخرائط السياسية للإقليم بدموية فظيعة، تضمن انخراط الجميع ضد الجميع في حروب أبدية، لن تؤدي في نهاية المطاف سوى إلى الانقراض الانتحاري لكل أمم المنطقة.

كل هذا صحيح ودقيق. لكن، وبالتحديد لأنه صحيح، لامناص موضوعياً من استيلاد الحلم من رحم الكابوس، والحياة من براثن الموت. هذا هو أسّ قوانين الطبيعة والتاريخ، أو الينغ ونقيضه اليانغ كما يعتقد الصينيون، أو التحدي والاستجابة كما يقول توينبي، أو القضية ونقيض القضية لدى هيغل.

ثُمَ: ثمة ظاهرة فاقعة برزت بعد الحرب العالمية الثانية وينبغي التوقُّف أمامها ملياً: على رغم الانتصار العالمي الكاسح للحضارة الغربية التي لم تترك زاوية صغيرة واحدة في العالم لم تخترقها، وهذا على كل المستويات العلمية والسياسية والإديولوجية والثقافية والفكرية، وحتى في المأكل والملبس وطرق العيش وبعض العادات، إلا أن الحضارات الشرقية القديمة لم تتغربن تماماً ولم تتبدد كما حدث للحضارات الأخرى الضعيفة في الأميركيتين واستراليا وبعض إفريقيا. صموئيل هانتينغتون هنا كان على حق (على الأقل في هذه النقطة): الحضارات الشرقية تلج كلياً الحداثة من دون أن تتغربن إلا جزئيا. وهذا ما عبّر عنه مهاتير بن محمد حين شدّد على "أننا حديثون، لكننا لانريد أن نصبح غربيين". وهو بذلك كان (ومعه كل سرب النمور الآسيوية) يسجّل السقوط المجلجل والنهائي للفكر الكمالي الأتاتوركي الداعي إلى حل الحضارة المشرقية- الإسلامية والاندماج الكلي بالغرب (بدءاً من إحلال القبعة الغربية مكان الطربوش وما تحته).

بكلمات أوضح: الحضارة الغربية، بانجازاتها الإيجابية، باتت جزءاً من الحضارات الشرقية، بدل أن تكون هذه الحضارات جزءاً، مجرد جزء مُلحق، بالحضارة الغربية. وهذه الحقيقة يجب وضعها بعين الاعتبار حين الإطلالة على طبيعة الصراع الذي سيدور رحاه حول النظام العالمي الجديد بكل مضامينه الاقتصادية والسياسية والثقافية، وبجملة موازين القوى فيه.

هذه الحقيقة تجسّدت أولاً في حركات التحرر الوطني والثورات الشعبية ضد الاستعمار الغربي في حقبة الخمسينيات، والتي ارتكزت إلى مباديء وثيقة باندونغ التي كانت في العمق وفي أبعادها الحقيقية أوّل "غرفة عمليات" حقيقية للحضارات الشرقية القديمة ضد الهيمنة الغربية، كما لاحظ عن حق أنور عبد الملك. لكن التجلي الأقوى لها (الظاهرة) برز في النصف الثاني من القرن العشرين، حين بدأ مركز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي العالمي ينتقل من أوروبا- الأطلسي إلى آسيا/الباسيفيك للمرة الأولى منذ خمسة قرون.

لكن، ولأن الحروب في المشرق عبثية ولن يكون من ورائها طائل البتة سوى القتل الجماعي والدمار والانحلال، كما أثبتت بجلاء، ومرّة بعد مرّة بتكرار مُمل، الحروب الأهلية الإسلامية – الإسلامية طيلة أكثر من ألف سنة، وكما أثبتت حروب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سيكون مُحتّماً في لحظة ما أن يصل الجميع إلى القناعة بأن الحوار هو المنقذ الوحيد من ضلال الانتحار الجماعي، تماماً كما اكتشف البروتستانت والكاثوليك الأوروبيون في القرن السابع عشر، حين يمموا وجههم نحو وستفاليا طلباً للنجاة المشتركة بدل الهلاك المشترك.

بيد أن هذه لحظة يجب العمل، كما أسلفنا، على استيلادها لا انتظار ولادتها، لأن التدخلات الدولية الكثيفة في مجرى الصراع المشرقي، ستعمل دوماً على إيقاد نيرانه كلما بدا أنه بدأ يخمد، وعلى تقوية الطرف الضعيف لدفعه إلى مواصلة الحرب ضد الطرف الأقوى (جورج بوش مع الشيعة ضد السنّة، ترامب ضد الشيعة مع السنّة، وأوباما في لعبة التوازن بين السنّة والشيعة وتوجيه وتغذية الصراع بينهم).

ماذا نريد؟

نسعى إلى أن نُطلق شعاع نور وأمل يخترق السماء الداكنة راهناً في الإقليم، وأن نحث النخب العقلانية والمُخلصة في الأمم الأربع، التركية والإيرانية والكردية والعربية، على وضع أنموذج فكري – حضاري جديد يدير الظهر للشوفينية القومية والتعصب الديني، ويستند إلى القيم الروحانية الحضارية المشرقية- الاسلامية، والتكامل الإقليمي الجيو-ثقافي والجيو- استراتيجي بين دول الإقليم، إضافة إلى العمل المشترك لانقاذ بيئة المنطقة من المهالك الوجودية التي تترّبص الدوائر بكل شعوب المنطقة لا استثناء.

بالطبع، يدرك مؤسسو المنتدى أن هذا هدف طموح للغاية، ودونه عقبات خارجية غربية وإسرائيلية ضخمة ومعوقات داخلية أضخم. لكن، من كان يتصوّر، في المقابل، أن تقوم العدوتان التاريخيتان فرنسا وألمانيا ليس فقط بانهاء حقبة حروب دامت بينهما عشرات القرون، بل أيضاً بناء أضخم تنظيم إقليمي في العالم؟ ومن كان يعتقد أن في وسع دول جنوب شرق آسيا أن تجلس إلى طاولة الحوار للتباحث حول بناء مستقبل مشترك بينها، وتقترب من لحظة إقامة هيكلية كونفيدرالية إقليمية بينها؟ بل من كان ليتصوّر أنه سيكون ممكناً للأعداء التاريخيين الصينيين واليابانيين والكوريين أن يتدارسوا بناء اتحاد على النمط الاوروبي بينهم في مستقبل قريب ما، وفق مايفعلون ("سرا") الآن؟

إقليم المشرق المتوسطي هو المنطقة الرقم واحد في العالم التي تمتلك كل مقومات التوحّد الجيو- استراتيجي المتطابق مع جغرافيتها وتاريخها. ومع ذلك فهي الآن الإقليم الوحيد أيضاً في العالم الذي لايزال يفتقد إلى هيكلية تعاونية إقليمية. وهذا مانرفضه نحن في المنتدى وسنعمل على تغييره.

أين موقع إسرائيل من هذه الجهود لتحقيق الحوار والتكامل الإقليميين؟

لا مكان ليهود فلسطين المحتلة، طالما أنهم لازالوا يسبحون في مستنقع الوباء الصهيوني، وطالما أنهم يعتبرون أن بقاءهم يعتمد على تشتيت وتفتيت الإقليم المشرقي، بدل تكامله، وعلى منع أي تطور تكنولوجي- اقتصادي أو أي نزعة استقلالية- توحيدية له.

الصهيونية ستكون حتماً، كما النظام العالمي الغربي الذي ترعرعت في حضنه والذي يتداعى الآن، ظاهرة عابرة في تاريخ المنطقة، تماماً كما الدويلات الصليبيية. وإذا ما أراد اليهود مستقبلاً أن يعودوا إلى حضن الحضارة المشرقية- الإسلامية التي اعترفت بهم وصانتهم طيلة نيف و1400 عام، فعليهم أن ينزعوا عنهم أولاً عباءة الوباء الصهيوني، وأن يعيدوا للشعب الفلسطيني حقوقه كاملة.

علاوة على ذلك، سينشط المنتدى، في إطار دفعه لإحياء القيم المشرقية- الإسلامية وبلورة الهوية الحضارية والروحانية والتاريخية الجامعة لكل أمم الإقليم، لبذل جهود حقيقية، فكرية وبحثية، من أجل تحقيق الإصلاح الديني ودعم كل المبادرات التي أعلنها العديد من المؤسسات الدينية، خاصة الأزهر الشريف، بما يؤمّن ليس فقط قيام دولة المواطنة أو الدولة المدنية في كل من دول الإقليم، بل يعيد كذلك بث الروح في القيم الروحانية المشرقية- الإسلامية القائمة على وحدة وواحدية كل المخلوقات والكائنات، وكل الكون والوجود.

ونعتقد في المنتدى أنه في اللحظة التي يبدأ فيها الحوار في المنطقة حول مسألة التكامل الإقليمي، سيكون على رأس جدول أعماله الضرورة القصوى لصيانة واحتضان وترقية التنوّع الثقافي والعرقي لكل مكونات الإقليم (من أكراد وأمازيغ وبلوش ومسيحيين وعلويين واسماعيليين وكلدان وأيزيدييين وسريان وأرمن.. الخ)، لأن مثل هذا التنوّع في إطار الوحدة، سيعزز إلى حد كبير وحدة الإقليم وتماسك النسيج الاجتماعي في كل من دوله. ونحن نعتقد جازمين أن  بدء الحوار الهادىء والعقلاني حول التكامل الإقليمي، الذي سيكون في الواقع إيذاناً ببدء اعتراف الجميع بـ"الأعماق الاستراتيجية" لكل أممه الأربع، سيؤدي أيضاً إلى الاعتراف بالإعماق الثقافية- التاريخية لكل الأقليات، وسيعيد للحضارة المشرقية – الإسلامية السمة الكبرى الأهم التي ميزّتها طيلة التاريخ عن الحضارات الأخرى، وهي قبول التنوّع والتعدد في إطار الوحدة، والاعتراف بالآخر. 

من يقف وراءنا؟

لا أحد. فنحن جميعاً في المنتدى ليس لدينا لاطموحات شخصية سياسية، ولا تطلعات مالية، ولا ارتباطات إديولوجية أو مصلحية بأي طرف. الدافع الوحيد لدينا هو إيماننا الراسخ بأن الحضارة المشرقية- الإسلامية العريقة تستأهل حقاً أن تقف على قدميها ثانية، وأن تنضم إلى شقيقاتها الآسيويات في بناء نظام عالمي جديد متعدد الحضارات، قادر على إعادة تصويب مسيرة المغامرة البشرية بعيداً عن مزالق العولمة الرأسمالية العمياء الراهنة.

هذا لايعني أننا سنرفض الدعم المالي، إذ لا مجال للعمل من دونه. لكن هذا سيتم في إطار شفافية كاملة وعلنية، ووفق المعايير التي ستضعها الهيئة العامة للمنتدى.

كيف سنعمل تنظيميا؟

سيكون هدفنا الأول عقد مؤتمر سنوي لنخب الأمم الأربع، يتم فيه التداول حول أنجع السبل لإطلاق مسيرة الحوار الإقليمي، وبلورة مفاهيمه، ونشر الوعي به في كل بلدان الإقليم بشتى الوسائل؛ على أن يخرج المؤتمر بلجنة تنسيق عليا تشرف على كل النشاطات في فترة مابين المؤتمرين.

لتحقيق هذا الهدف، سيتعيّن خلق شبكات في كل بلدان الإقليم تضم كل الشخصيات من كل الاختصاصات التي تؤمن بفكرة التكامل الإقليمي وتدعمها. هذا إضافة إلى تأسيس موقع الكتروني خاص بالمنتدى، واستخدام كل وسائل التواصل الاجتماعي،  والعمل لاحقاً على إطلاق محطة تلفزيونية على الانترنت تقوم بنشر الوعي الإقليمي الجديد في المنطقة.

سيكون من أولى مهام المؤتمر الأول تحديد الشكل التنظيمي لفكرة التعاون والتكامل الإقليميين، عبر الاستنارة بتجارب تكامل إقليمي مشابهة، من مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي (مع وثيقة هلسنكي الختامية العام 1975)، وما تلاه من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والاتحاد الأوروبي، إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مع ذراعها الأمني منتدى آسيان الإقليمي؛ ومعاهدة شنغهاي، مروراً بالعمل على تطوير وتوسيع كلٍ من المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي بما يؤدي إلى لم شمل كل أمم المنطقة.

هل نستطيع؟

نعم. حتما. لكن بثلاثة شروط سيعمل المنتدى على هديها:

الأول، أن نعلن رفضنا القاطع والكامل والشامل للحروب والصراعات المذهبية والجيوسياسية الراهنة بشتى أشكالها، بما تتضمنه من إعادة فتح بطن المنطقة (كما يحدث الآن) أمام كل مباضع التقسيم والتفتيت والاحتلالات والتدخلات الدولية، وأمام مواصلة دفع أمم الإقليم إلى أشداق الفقر والاستنزاف والتهميش والتدمير البيئي والمجتمعي.

والثاني، أن نثبت قولاً وفعلاً أننا مؤمنون إيماناً مطلقاً بقدرة أمم الحضارة المشرقية - الإسلامية الأربع، حين تمتلك الإرادة السياسية والحضارية، على قلب الكابوس الداكن الراهن الذي تعيشه جميعا إلى حلم زاهٍ تتفتح فيه كل أزهار التطوّر والتقدم، وورود التعاون والتضامن والمحبة والسلام، وهذا على كل الصعد الاقتصادية- السياسية والعلمية- التكنولوجية، والثقافية، والبيئية، وصولاً إلى إعادة بناء الوحدة الجيو- ثقافية والجيو- استراتيجية للإقليم ومعه الهوية الحضارية المشرقية- الإسلامية العالمية.

والثالث، أن الكثيرين يعتقدون أن استخلاص فكرة الحوار العقلاني الإقليمي، ناهيك بالتعاون ثم التكامل، من أتون الصراعات الجنونية الراهنة، ستكون أشبه بمحاولة الحراثة في البحر. لكن نحن، وعلى رغم اعترافنا الكامل بالمشقات الهائلة التي تنتظرنا، نؤمن في الوقت نفسه أن جنسنا البشري يمتلك، بالإضافة إلى جنونه، ومضات يقظة ضمير أخلاقية وحضارية وعقلانية قد تكون هي ميزته الرئيسة بين المخلوقات. نحن نراهن ليس فقط على هذه الومضات، بل أيضاً على  قدرة حضارتنا العريقة على تحويلها إلى نبض حضاري واستراتيجي جديد في المنطقة، عبر المنهج العلمي والعملاني المتدرّج الذي يعترف بالصعوبات، ويغتنم الفرص، ويعمل على بناء الثقة بالتدريج بين الأمم الأربع على أساس المصالح المشتركة، والمصير المشترك، والأمل باستعادة الدور الحضاري العالمي لإقليمنا.

ثم، وهنا الأهم: لم يعد في الواقع أمام أممنا الأربع سوى خيار من إثنين: إما الحوار والتعاون والتكامل المشترك، أو الانتحار المشترك في دياجير حروب الأشباح والأوهام والظلال، ومعارك الوعي الزائف واللاعقلاني لدى الأطراف التي تتخانق الآن حول الطريقة التي يريد الله تعالى أن يتجلى فيها في العالم.

ونحن في المنتدى، ومعنا حتماً الغالبية المعتدلة والعقلانية في كل أمم الإقليم الأربع التي ترفض نزعة الدمار والانتحار، سنقف بكل نبضنا وقلوبنا وجوارحنا إلى جانب الخيار الأول.

_________________

الاثنين، 9 مايو 2016

القارة الإسلامية تنفجر: "أي إسلام نريد"؟(الحلقة الأخيرة)




الحضارة الاسلامية بين الحوار أو الانتحار



لم يعد الأمر مستعصياً على الفهم:
العالم الإسلامي، بكل دوله وكياناته ومؤسساته وحركاته السياسية والفكرية، دخل في حالة حرب مع ذاته: حرب تصطرع فيها الهويات، والمفاهيم، والطموحات الامبراطورية، ويتقاطع فيها ما هو محلي مع ماهو جيوسياسي وإقليمي ودولي. هي حرب عامة وشاملة بهذا المعنى داخل الدول الإسلامية، وبين بعضها البعض.
في الحلقة الرابعة في هذه المدونة، " تحدثنا عن عن احتمال وجود مخطط، أو "مؤامرة" لتفتيت المنطقة والمضاعفات المحتملة لذلك. في هذه الحلقة، الخامسة والأخيرة، سنبحث ما إذا كان لهذه المخططات التقسيمية فرص نجاح ما:

-       I
 مشاريع الدويلات المذهبية والطائفية التي بدأت تشق طريقها رويداً رويدا نحو التنفيذ، لن تنجح حيث فشل ما هو أكثر تجذراً منها في التاريخ والاجتماع العربيين. فلا هي ستكون قادرة، مهما فعلت، على تجنُّب الحروب الدائمة بين بعضها البعض، ولا على إقامة (كما ألمعنا  في الحلقات السابقة) طبعتها الخاصة من الدولة- الأمة، ولا على توفير مقومات البقاء الاقتصادي والأمني والاستراتيجي.
وحتى لو نجحت هذه الدويلات في البقاء، في ظل إعادة انتاج صيغ الحماية الدولية على الأرجح، ستكون مضطرة في مرحلة ما إلى البحث عن  صيغ اتحادية في المنطقة لتوفير ظروف الحياة لها، سواء في شكل نظام إقليمي مشرقي جديد، أو حتى في شكل تكتلات إقليمية.
في مرحلة ما أيضاً، حين ستوغل الهويات ماقبل الوطنية في المشرق في تغوّلها وتوحشها وحروبها، وفي اسقاطها لكل مقومات السيادة والكرامة بفعل استتباعها لإرادة وأوامر السيِّد الدولي الجديد، ستبرز مرة أخرى، وبقوة، الحاجة الماسة إلى أنموذج فكري – استراتيجي جديد، يستند إلى القيم الروحانية في الأديان التوحيدية الثلاثة، وإلى التعاون والتضامن الإقليمي المشرقي، بوصفه المنقذ الوحيد من جهنم حروب الدمار الشامل، وبكونه الجامع المشترك الأول بين مكونات مجتمعات المشرق.
فحين تتكشف أمام أفراد "الهويات القاتلة" ماقبل الوطنية والقومية أي أتون جهنمي دخلوا فيه؛ وحين يشعرون بالتعب من الحروب العبثية والقتل والدمار الشامل، وحين يبدأون بتلمّس الاثمان الباهظة للغاية للصفقة الفاوستية مع القوى الخارجية؛ وحين تتقطع بهم سبل الأمن والعيش، سيجدون أن المنقذ الوحيد من الضلال هو هذا الأنموذج الفكري- الاستراتيجي الجديد في المشرق، التعاوني والروحاني (في مقابل التكلّس الديني العصبوي) والمسالم.
هذه  اللحظة ستأتي أيضاً حين تصل السعودية وإيران وتركيا والأكراد إلى حالة الانهاك، أو حين تصل ألسنة اللهب التقسيمية الطائفية والإثنية إلى عقر دارها (وهي ستصل حتما)، فتتوقف عن استخدام/ وإشعال الورقة المذهبية في المنطقة كعنصر أساسي في سياستها الخارجية، سواء الثورية أو المحافظة، وتبدأ البحث عن القواسم المشتركة لأمن مشترك، واقتصاد مشترك، ونظام إقليمي مشترك في الإقليم، ونزعة روحانية- ثقافية مشتركة.
-       II

ثم أن هذه اللحظة ستأتي بفعل التغيرات الكبرى المرتقبة في النظام الدولي.
إذ يبدو واضحاً الآن أن العولمة، وعلى رغم كونها ذات طبعة نيوليبرالية أميركية، لاتهتم بوجود "القومية الأميركية" على عرش هذه الامبراطورية، ولايهمها لون قطة النظام العالمي طالما أنها تصيد فئران الأرباح والأسواق المفتوحة أمام شركاتها العملاقة.
الدول الكبرى الأخرى، التي تعرف ذلك، والتي بدأت تشم روائح الانحدار الأميركي حتى في ذروة صعود العولمة الجديدة وانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، بدأت بالفعل تعيد النظر بأجنداتها وتخطيطاتها في السياسة الخارجية. لا بل بدأ بعضها ينتقل في هذا المجال من التخطيط إلى التنفيذ:
  - فاليابانيون، على سبيل المثال، بدأوا يفكرون بإقامة روابط أوثق مع أوروبا.
- والهند واليابان تدرسان بلورة تعاون استراتيجي عسكري بينهما  (ضد الصين).
- وروسيا تعد الخطط لإعادة الهيمنة على مناطق الاتحاد السوفييتي السابق، وربما أيضاً على بعض دول أوروبا الوسطى وآسيا الوسطى وبعض دول الشرق الأوسط.
- وأوروبا المتشظية هذه الأيام، تشهد اندفاعة من دولها الرئيسة في هذا الاتجاه. فألمانيا وإيطاليا تغازلان روسيا لأهداف اقتصادية في الدرجة الأولى (احتكار عملية تحديث الجغرافيا الروسية الشاسعة) واستراتيجية في الدرجة الثانية. وبريطانيا تخطط للابتعاد عن البر الأوروبي والاقتراب أكثر من الشواطيء الأطلسية الأميركية.
أما الصين، وعلى الرغم أنها ستصبح أكبر اقتصاد في العالم العام 2025 (في حال استمرت وتائر نموها الراهن)، فهي لاتزال حتى الآن تمارس سياسة "الصبر التاريخي"، بانتظار أن تسقط  ثمرة الزعامة الأميركية في حضنها.                               
ما سيتحكَّم بكل هذه التطورات، برأي زبغنيو بريجنسكي، ليس "التناغم الدولي" الذي تطرحه الصين الآن كإديولوجيا لسياستها الخارجية (إنطلاقاً من فلسفات التاو وبوذا وكونفوشيوس)، بل الصراعات العنيفة بين كل هذه الدول الصاعدة، على الموارد الطبيعية (النفط والماء أساسا)، والهيمنة الإقليمية، والدور العالمي (وإن في الإطار العام للعولمة). لا بل لايستبعد المحللون نشوب حروب مدمّرة بين الصين والهند واليابان، على غرار الحروب الانتحارية التي وقعت في لججها الدول القومية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين وأدّت إلى انحدار أوروبا التاريخي.
-       III

هذه اللوحة الدولية الجديدة المحتملة قد تقلّص إلى حد كبير من قوة القبضة الغربية الخانقة، والمتواصلة منذ حرب 1967، على المشرق (خاصة على مصر)، وستوفّر ذلك النوع من الفرصة الدولية (في إطار نظرية الفراغ الدولي) التي وضعها د. جلال أمين كشرط لازب لأي نهضة جديدة للحضارة الاسلامية.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية: إقليم المشرق يمثّل وحدة جغرافية- إيكولوجية متكاملة. وهذه حقيقة باتت في غاية الأهمية والخطورة الآن، لأن الكوكب الأزرق ككل يشهد خللاً خطيراً في توازناته البيئية، ولأن أمنّا الأرض لم تعد تحتمل العربدة الأجرامية الراهنة التي يرتكبها بعض البشر بحقها، والتي تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الملّوثة للجو والمدمّرة للبيئة وماتبقى من الزرع والشجر والمياه الجوفية. مثل هذه الأسلحة تستعمل الآن بلا أي رادع في كل أنحاء المنطقة، في وقت يتغيّر فيه مناخ الأرض بسرعة غير مسبوقة. وهو تغيّر كان أصلاً (كما أشرنا) أحد الأسباب الرئيسة لاندلاع العديد من الثورات مؤخراً في بعض البلدان العربية، خاصة في سورية والعراق واليمن وحتى في مصر. ومما يفاقم من هذه الأزمة الإيكولوجية، الانفجار الديموغرافي المنفلت من عقاله هو الآخر، والذي يفرض (بسبب عدم اتساقه مع التخطيط التنموي الاقتصادي- الاجتماعي ) ضغوطاً هائلة على البيئة.
إقليم المشرق يحتل حالياً المرتبة الأولى في العالم من حيث المناطق المهددة بنضوب المياه الكافية لشعوبه فيها. وحروبه الراهنة التي تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الكيميائية والإشعاعية تُمعن تخريباً بما ماتبقى من مياه جوفية وتربة صالحة للحياة.
الأزمة البيئة توحّد هذا الأقليم الآن، ولكن بطريقة دفعه بشكل مشترك إلى الهاوية. فكما أن اهتزاز جناحي فراشة بأكثر من اللازم في كاليفورنيا قد يتسبب بزلزال في اليابان، كذلك بات تغيّر المناخ وتلوث البحار والمياه والأجواء في أي بلد في منطقتنا، معظوفاً عليه ضغوط اللاجئين والديموغرافيا، يؤدي إلى كوارث متصلة في بقية بلدان المنطقة.
هذه المخاطر البيئية الجامحة، إضافة إلى حروب الدمار الشامل الأهلية الراهنة وضرورات التكامل الاقتصادي في ظل العولمة، يفرض على أي توجّه انقاذي جديد أن يطرح صيغة لتعاون إقليمي مع شعوب المنطقة من عرب أتراك وإيرانيين وأكراد؛ على أن يكون هذا التعاون بقيادة جماعية ( وليس بتفرّد عثماني جديد، أو إسلامي- فارسي مُستجد، أو حتى قومي عربي مُنبعث، أو بالطبع طموحات امبريالية توسعية إسرائيلية).
في إطار حل إقليمي، أو نظام إقليمي، من هذا النوع، يمكن مثلاً للأكراد (الذين هم الآن لغم التقسيم الرئيس في المنطقة) أن يحققوا طموحاتهم القومية، من دون "حروب استقلال" قد تكون عبثية مع تركيا وإيران والعراق وسورية. كما يمكن لكل الأطراف العربية والتركية والإيرانية القيام بأدوار تكاملية بدل الانسياق إلى مجابهات إقليمية مستنفزة ومدمِّرة. لا بل يمكن في هذا الإطار العثور على حل لـ"المسألة اليهودية" بعيداً عن المشاريع الانتحارية الصهيونية
***
أشرنا في كل الحلقات الرابعة السابقة إلى أن منطقة المشرق دخلت بالفعل مايمكن أن يكون بالفعل حرب الثلاثين عاما. ومؤشرات هذه الحقيقة واضحة وجلية في الدمار الشامل الآن في سورية والعراق واليمن والسودان، وربما قريباً في كل دول المنطقة.
بيد أن الحرب الكارثية ليست حتمية، إلا بالقدر الذي ننغمس فيها من دون محاولة الخروج، وسريعاً، من جحيمها.
بكلمات أوضح: الخيار هنا هو بين الانتحار الجماعي للقارة الاسلامية (وللحضارة الاسلامية) برمتهما وبين البقاء والاستمرار. إنه في الواقع والحقيقة خيار حقيقي بين الجنّة وجهنم. بين الحياة والموت. وخريطة الطريق المؤدية إلى كلٍ منهما أكثر من جاهزة، وهما تتلخصان في جملة يتيمة واحدة: الحوار أو الانتحار.
(انتهى)

سعد محيو